+Bassim Morali
بما أن الله لا يتدخل في الكون ... وهذه مشيئته ... وليس عجزا منه ... فبالتأكيد لا وجود لمعجزات من أي نوع ...
وأما موسى وعيسى ومحمد فهم رموز إنسانية بحسب نوع عملهم في الحياة ... وربما لو دققنا من حولنا من بعد فهم دور كل من هذه الرموز ... لوجدنا الكثيرين يقومون بعمل ينسبهم إلى صفة موسى أو عيسى أو محمد ...
من الحق والمنطق أن هناك أشخاصا استقبلوا رسائل الله ونشروها بين الناس ... ولكن وللأسف الشديد نحن لا نعلم عنهم اي شيء ... فالتاريخ المزور والمحرف شوه لنا تاريخهم وحولهم من شخصيات إنسانية عظيمة إلى أوثان تُعْبَد من دون الله ...
فمثلا: موسى لغويا من الجذر (موس) ... وهو يدل على فعل الحلق ... حلقت للشيء أي أزحته من مكانه وأنهيت دوره ...
وقد وصف القرآن موسى بهذا العمل .. فقد حلق لفرعون وسحرته بكل قوة وأنهى دورهم أمام الناس جميعا ... وطبعا تفاصيل القصص القرآنية صعبة الشرح بعجالة ... ولكن فيها الكثير مما يثبت هذه الحقيقة ...
وعيسى من الجذر (عيس) ... وهو يدل على القائد الذي يقود الناس ويتبعونه بثقة ليس اتباعا أعمى كما يحدث اليوم .. بل بكل الوعي لأنه يشرح ويشرح ويشرح ويدل الناس إلى أخطاءهم بكل هدوء وصبر ... ولذلك ارتبط رمز المسيح مع رمز عيسى ... فالمسيح هو المعلم الذي يشرح ويكرر ولا يمل التكرار حتى يصل حقا وفعلا إلى إفهام الناس ما يريد أن يوصله لهم ... وهذه الكلمات في اللغة هي من الحق لأن الله حدد وعرَّف وقال:
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ [النحل : 103]
وحتى الرمز القرآني محمد ... فهو يدل على الابتعاد عن الذلل والمعصية ... فإذا كان إنسانا يحمل هذه الصفة فهو محمد كصفة وليس كمجرد لقب ...
أما في عمق المعنى لهذا الرمز فهو القرآن الكريم بنفسه .. الذي يحدد من هو على حق ومن هو على باطل ولذلك كان محمد بحسب قوله:
مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [الأحزاب : 40]
الآية تدل أن محمد ليس (أبا) ... أي أنه ليس من مهمته أن يكون راعيا للناس ... ولكن دوره أن يحدد من هو حقا ملتزم بكتاب الله وكلماته .. ومن يدعي ذلك ...
فالأنبياء هم من يلتزمون بالعمل بكل ما أوصى به الله من أوامر ونواهي ولا يقصرون في ذلك أبدا ...
وهم يحصلون على صفة النبي من أعمالهم الصالحة ضمنا ... وليس بادعائهم أنهم أنبياء ... وليست صفة تمنحها لهم جهة ما .. فمن يحدد أعمال الناس وصلاحها هو الله وحده لا شريك له ...
أما عقاب الأقوام السابقة ... فهي بالتأكيد رمز قرآني أيضا يخاطب فيه الله الأحياء من الناس ويشبههم برموزه القرآنية ... فمن يعمل كذا فهو من قوم كذا .. ومن يفعل خلاف ذلك فهو من قوم كذا ... ولذلك قال:
وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً [الإسراء : 13]اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء : 14]مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء : 15]
إذا دققنا في هذه الآيات سنجد أنها تدعو كل إنسان لوحده على قراءة القرآن واتباع ما فيه ليحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله ... وعلى إنسان أن يجتهد في هذا الفهم لأن بحسب قوله تعالى: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) .. أي أنني إذا أخذت من فلان علمه واتبعته ... فسأحاسب كأنني أنا من اختار هذا الفهم وهذا العمل ... ولن يسامحني ربي على الأخطاء التي قمت بها بحجة أن ذاك هو السبب ... ولذلك قال:
وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً [الإسراء : 16]
لو كان الأمر الإلهي هنا تعبير عن التدخل الإلهي المباشر لكان كل كلامه في الايات التي سبقت لا معى له ابدا .. وحاشا لله أن يكون كلامه لا معنى له ... ولكن فهمنا القاصر نتيجة لغتنا القاصرة هو ما أدى بنا أن نفهم أن الله أعطى أمرا مباشرة للمترفين ليفسدوا فيعاقب الجميع فيذهب الصالح بالطالح ...!!!
هذا ليس من الحق في شيء ...
وإنما الآية تقول بوضوح:
إن من لا يلتزم حقا وفعلا بأوامر الله ونواهيه فلن يستطيع التفريق حقا بين الحق والباطل ... وسيلتبس عليهم الحق بالباطل .. وهو ما سيجعل الشياء تتحول عن حقيقتها كما نرى اليوم من حولنا ... فقد أدى إهمال الناس لقرآنهم وكتب ربهم بشكل عام إلى انتشار مفهوم الأنانية والمصلحة التي اصبحت تعلي شأن المال على أي قيمة أخلاقية راقية وحقيقية ...
وبالتالي ساد الفساد كل شيء ... لم يعد هناك حق واضح بين .. فأصبح المجرم بطلا والبطل مجرم ملاحق من القانون ... وأصبح المُحتل المُستَغِل لبلاد الأرض هو البطل الذي يحارب الشر في كل مكان .. ويقتل ويسفك الدفاع ويهتك الأعراض باسم الدفاع عن الناس والحرية والكرامة ... أليس هذا
ما يحدث حقا في كل مكان من كوكبنا المهترئ ...؟؟؟
أليس لأن المترف .. أي الذي لا يُقدِّر قيمة أي شيء سوى لَعِبِه ولهوته وشهوته وأنانيته ومصالحه ورغباته قد سيطر على الناس بأمواله التي نهبها منهم أصلا ... وبات يوزع المكافآت على المجرمين لإجرامهم ... ويقتل الأبرياء ممن يدافعون عن حقوق الناس بحجة أنهم ضد الإنسانية ...؟؟؟
ألا يعبر كل هذا عن أن الأمر هو من الناس نتيجة ابتعادهم عن صراط الله المستقيم ... والفرق كبير ..
وأما قوله تعالى:
إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [آل عمران : 45]
فهو يشرح لمن إنتهج منهج اللغة ربطا مع العلم المنطقي حقيقة المسيح عيسى ابن مريم ...
صحيح أن هناك إنسان عاش فيما مضى واستقبل الوحي الإلهي المدعو بحسب الفهم الإنساني النسبي الناقص .. بالإنجيل .... ولكن كما قلت لا نعلم عنه شيء ...
ولكن هناك حقيقة أخرى .. أن هذا الإنسان أدى مهمته الإيمانية وانتهى دوره:
إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [آل عمران : 55]
وقوله: (مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) .. لا تعني إطلاقا أن الله أمات عيسى ورفع جسده للمكان الذي يكون فيه ... أليس هذا تشخيصا لله لا يجوز أبدا ...؟؟؟
ولكن الحقيقة أنه يخبرنا نحن .. أحياء اليوم .. أن الله قد رفع من قيمة المسيح ورسالته ... من بعد أن أنهى تلك الرسالة وأكملها بحسب ما أراد الله ... وهو قول مشابه لما قاله لنا من خلال القرآن .. ولكن بصياغة مختلفة للدلالة على وحدة الرسالتين:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المائدة : 3]
ونعود إلى كلمات: (الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) ...
المسيح : المعلم ..
عيسى : القائد ...
ابن : الذي ينتمي إلى ...
مريم : مَرْيَم من الجذر (روم) ... على وزن مفعل .. نحو:
مَرْكَب .. مَشْغَل .. مَرْعَى .. مَرْصَد ...
وهو ما يدل على مكان يقام فيه عملا محددا واضحا لا لبس فيه ولا غبار عليه .. ومريم .. من هي كرمز قرآني عدا عن كونها أم الإنسان الذي استقبل وحي الله ...؟؟؟
وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم : 12]
رام الشيء .. قصده وطلبه بشدة ...
ومريم هي المكان الذي يقوم فيه الناس بطلب شيء محدد بقوة وبشدة لحاجتهم الماسة إليه ...
ومريم تدل من خلال معنى الكلمة ومعنى الوزن اللغوي إلى الناس بشكل عام ... الذين هم بحاجة ماسة وشديدة إلى روح الله .. اي علمه وشريعته وحكمته وسنته ... من أجل ماذا ..؟؟؟
بنت : الذي يدل على الإنتماء إلى ...
عمران : الذين سيعمرون الأرض بناء على وصايا الله وتعاليمه وأوامره ونواهيه المليئة علما وحكمة ... ومريم بنت عمران ... أي الناس الذين أحصنوا أنفسهم من أعمال الزنى .. التي هي الفجور الأخلاقي بحق أنفسهم وبحق الناس ... هم من سيعمرون الأرض من بعد أن استجاب الله لحاجتهم وأرسل لهم سنته وشريعته من خلال كلمات بينات .. وهذا ما يؤكد قوله تعالى: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ) ... باعتبار أن نفخة الروح تدل على أمرين ...
أولا: هي نفخة الوعي في الناس وتحويلهم من حيوانات إلى مخلوقات واعية ... وضمن القانون ودون أي تدخل منه ... وبنفس الوقت هي روح منه .. وهو ما يدل على رسائله .. فالروح هي الوعي وهي المعرفة وهي القدرة على تحصيل العلم والحكمة ... ولذلك فالناس التي ترمز لهم مريم صدقوا كلام ربهم والتزموا به فكانوا من القانتين ...
ثانيا: هي رسائل الله التي أرسلها من روحه إلى الناس .. والتي لن تصلهم لولا نفخة الروح المسبقة من الله بتحويلهم من حيوانات إلى مخلوقات واعية تستطيع أن تدرك وتفهم وتعي روح الله ...
وهذا ما قال الله عنه وأكده محددا أن المسيح روحا منه .. أي علما وحكمة من خلال رسائله .. التي هي نفخة روحه:
(فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ) ...
يجب أن ننتبه إلى ربط (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا) بـ (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ) ...
ولندقق أيضا بأن الله قال: (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ) ...
ولم يقل: ((وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكِتَابِه) ...
ولم يقل: ((وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا والمَسِيْح) ...
وهذا ما يؤكد كل ما قلته في بحثي هذا ...
أما الأسطورة العجيبة لميلاد إعجازي فهو نتيجة قراءة تحمل مسبقا وعيا جاهلا يستند إلى الخرافة في تفسير وتحليل كل شيء في كتب الله الهادية ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق