+Bassim Morali
تعالوا نرسم معا خارطة طريق لفهم القرآن ...
ما هي المنهجية التي يجب أن نتبعها للوصول للجدوى بشكل عام ...؟؟؟
الله يقول لنا جميعا ...
هذه خطة إلهية واضحة بامتياز ولا لبس فيها .. ولا مزاجية من بشر .. ولا حتى نسبية المنهج ...
هو منهج مطلق .. كإطلاق القرآن نفسه .. كل من يقرأ هذا النص عليه أن يقوم بتطبيق هذا المنهج واتباع هذه الخارطة الطريقية حتى يصل إلى الجدوى دون أي توهان أو ضياع أو تعثر في المتابعة بأي شكل كان ...
وتتكون مما يلي:
1 - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ [الشعراء : 195]
أي اتباع اللسان العربي السليم الصحيح الغير مسيَّس والغير محرف بناء على مسلمات ليست بمسلمات .. وفهم خاطئ مفروض بحجة التواتر ...
2 - قال لنا بداية:
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان : 32]
ثم طلب منَّا أن نقوم بما قام به:
أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزّمِّل : 4]
والترتيل: هو حسن صف الشيء ... أي وضع إخراج الآيات التي تتحدث ع موضوع معين من النسق القرآني وصفها بحسب ما تبين لنا بنفسها .. فيكون لدينا موضوعا متكاملا يجيب على أي سؤال مهما كان ...
3 - وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء : 36]
أي أن لا نستمع إلى الخرافات والأساطير بحجة أن الله قادر على ذلك ... بل ما يحضنا الله عليه هو العلم فقط ... العلم المنطقي المرتبط بالأدلة الحقيقية التي تبرهن على القانون الذي يتحرك الكون كله بناء عليه .. وهو مشيئة الله ... أقتنع بذلك المتأسلمون أم لم يقتنعوا ...
ومن خلال اللغة الصحيحة السليمة الغير محرفة .. ومن خلال ترتيل آيات القرآن .. ومن خلال ربط القرآن بالعلم والمنطق ... سنهتدي بحق لننقل أنفسنا من خلال هذا الصراط المستقيم من الظلمات إلى النور ...
وبناء على ما تقدم ... نجد أنفسنا بحق في مواجهة اللغة بدءا .. فهي من سيحدد المعنى اللغوي الذي من خلاله سنربط كلمات وآيات القرآن بالعلم والمنطق لنصل إلى الحكمة ...
إن الصلاة في حقيقتها كما بينها ووضحها الله في قرآنه تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأولى: بحسب قوله:
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل : 98]وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً [الإسراء : 45]
وهذه الآيات ليست موجهة للرسول ... فهو رسول الله ... وأخذ صفته كرسول من نقل النص القرآني إلى الناس ... وليس ليستقبل النص القرآني لنفسه فقط:
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف : 158]
الثانية: بحسب قوله:
فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً [النساء : 103]
ويجب أن ننتبه بكل دقة إلى أن قضاء الصلاة ليس أننا انتهينا من الصلاة ... والدليل أنه قال بعدها مباشرة: (فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ) ... والفرق كبير ......
وقضاء الصلاة .. هو عمل جماعي حتما .. على عكس المرحلة الأولى التي خاطب فيها الإنسان مفردا ... لأن الصلاة الأولى التي هي دراسة وقراءة وتدبر القرآن لا يمكن إلا أن تكون بشكل فردي .. والتفكير بشكل فردي ... والتحليل لكلمات وآيات القرآن بشكل فردي ... على عكس قضاء الصلاة .. الذي هو عمل جماعي .. بأن يأتي كل دارس قارئ للقرآن ببيناته وبراهينه ليقول وينشر بين المتدبرين ما وصل إليه من القرآن ...
وكل منهم يبين تدبره وبيناته ... ويتناقشون في الأدلة والبراهين المنطقية العلمية حتى يصلوا إلى رأي واحد من الجميع من خلال العلم والبراهين وليس بالفرض والقوة ... فيكون ذلك الحكم على الشيء ... أي القضاء ... فالقاضي لا يحكم على أحد إلا ببينات وبراهين ولذلك أخذ صفته كقاضي .. وأخذ رأيه العلمي المنطقي صفة القضاء ...
وهذا القضاء الجمعي هو ما يقول الله عنه:
وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الشورى : 38]
وبنفس الوقت هي الصلاة الوسطى .. بحسب قوله:
حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ [البقرة : 238]
حيث أن المعنى اللغوي يدل على معنى الوسط .. الإعتدال .. ومعنى الحق .. ومعنى الأفضل أو الأعلى مكانة لما فيه من تبيان وشرح ورأي قائم على أفضل ما تم التوصل إليه بحسب قوله تعالى:
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ [الزمر : 18]
وقد حدد الله في هذه الآية أمرا مهما جدا يشرح حقيقة الصلاة ويعلي شأنها تماما ... فقد قال:
(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ) ... ولم يقل: (الأقوال) ... باعتبار أن كل قول .. الذي هو موضوع أو آية أو مشكلة يتم البحث في حلها .. كل قول له عدة مستويات من الفهم .. بحسب الأرضية المعرفية والقدرة على التعامل مع الرمز القرآني .. وهو ما يوصل الناس إلى مستوى عالي من التجريد .. أي الابتعاد عن كل مشخص .. وهو ما يبدو لنا وثنا غير مقبول أي تعامل معه لما فيه من الوثنية في تلك المرحلة من التدبر العاقل الواعي ... ولا يقربنا حقا وفعلا من الله الذي ليس كمثله شيء ...
والثالثة: بحسب قوله:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة : 6]
وفي هذه الآية التي يطول شرحها حقا .. توصيف وتحليل بكل معنى الكلمة .. عمليا ومنطقيا حقيقة إقامة الصلاة ... وليس مجرد سكب بعض الماء على بعض مناطق الجسد ... واللغة العربية الفصيحة البليغة قادرة على تبيان معنى كل كلمة في هذه الآية لمن انتهج منهج اللغة الصحيحة السليمة وربطها بمنطق البحث عن الجدوى ... وليس مجرد اتباع ما لا منطق به أو فيه لأننا لا نفهم لغتنا بشكل صحيح ولا نسعى إلى ذلك ...
يقول تعالى:
(إِذَا قُمْتُمْ) ...
وكلمة (قُمْتُمْ) من الجذر (قَوَمَ): وهو يدل على معنى العزيمة وبذل الجهد الكبير في سبيل تحقيق هدف سامي .. وهو إصلاح وتعديل كل اعوجاج وخطأ ...
وعندما ننادي: ياقوم .. فنحن ننادي أصحاب الوعي والعقل والمنطق واصحاب العزيمة لنتساعد في تحقيق ما نريد تحقيقه .. وهو ليس دعوة للعامة من الناس على الإطلاق ... فلربما كان منهم من يملك الإرادة حقا على السعي لتنفيذ ما ندعو إليه .. ولكنه حتما ليس ممن يمتلكون المؤهلات المعرفية والفكرية والعلمية .. وحتى العزيمة على إنهاء هذا الأمر ...
فالخطاب إذا يكون لأهل المقدرة ... فهم قومي لأنهم يمتلكون نفس التوجهات .. والقومية العربية من ذلك .. لأننا ندافع عن ثقافة وحضارة تجاوزت الـ 50.000 سنة ...
وبالتالي .. قمتم إلى الصلاة .. أي أنكم تبذلون كل الجهد لتصحيح كل الأخطاء بكل العلم والمنطق .. وتحديدا .. بالتي هي أحسن ...
(إِلَى الصَّلاةِ) ...
نلاحظ أنه يقول: (إلى) .. وهذا غريب بالنسبة لما هو شائع وسائد .. فالعادة أننا (نقيم الصلاة) .. وهذا حقا ما طلبه الله:
فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً [النساء : 103]
ولكن إقامة الصلاة كما تشرح لنا الآية هي في تفاصيلها الدقيقة: أن نقوم إلى الصلاة ... وهذا غير مفهوم حتى اليوم ...
والحقيقة أن القيام إلى الصلاة مرتبط بمفهوم الصلاة الحقيقي الذي هو ليس مجرد حركات غير ذات جدوى .. وهي مجرد طقس اخترعه الناس لإحساسهم أنهم يقفون بين يدي الله .. وهم بحاجة لهذا الإحساس ... وينسون .. أو يتناسون .. أننا دائما بين يدي الله .. فالله ليس مجرد طقس على الإطلاق ...
والصلاة ليست من الجذر وصل كما يصر الغالبية العظمى .. ولكن من الجذر صلو: وهو يدل على معنى ما أشبه بحرارة النار نتيجة الجهد والبذل والسعي ... وهو مرتبط تماما بمفهوم (القوم) ...
(فاغْسِلُواْ) ...
الغسل هو مفهوم أشمل وأكبر من النظافة والطهارة ...
الغسل هو تنظيف كل شيء ... فكرا وروحا وقلبا ووعيا وعلما وقدرة وقوة .. ولكنه حتما لا يمكن أن يكون مجرد غسل لبعض أطراف الجسد لأن ذلك يحول معنى الغسل إلى مجرد أفعال لا معنى لها .. ولا جدوى .............................. ......
(وُجُوهَكُمْ) ...
الوجه لا يعبر عن مقدمة الرأس إلا من حيث أنه تعريف بشخصياتنا ... فالوجه يعبر عن الذات ... فالقرآن لا يتعامل مع المعنى النسبي كما تعامل معه نحن .. بل يتعامل مع المعنى المطلق دائما .. ونحن علينا أن نجد مدلوله النسبي بحسب أرضيتنا المعرفية ... وهذا قانون قرآني لا يجب أن نتاجهله أو ننساه ابدا .............................. ..
(وَأَيْدِيَكُمْ) ...
اليد تعبر عن القوة والقدرة على الفعل ... وبالتالي فالله يريد أن أن يعلِّمنا أن الصلاة لا تقوم على العنف والإكراه ... فغسل الذات والقدرة هو ما يدل على عدم استغلال سلطتنا في توجيه الصلاة لغير وجهتها الصحيحة ... والكلمة التالية تدل بقوة على هذا المعنى ...
(إِلَى الْمَرَافِقِ) ...
إلى .. هو الوصول لهدف ...
المرافق .. الذي هو هدفنا جميعا (بصيغة الجمع) ... هي من الجذر (رفق): وهو يدل على الموافقة والمقاربة بلا عنف ...
وهو ليس مجرد اسم لمفصل في الذراع لا يمكن أن يؤدي إلى أي معنى أو إلى أي جدوى ...
والقصد .. أن أكون متوافقا مع من نقيم معهم الصلاة بكل العلم والمنطق والبرهان لنتوافق فكرا وعلما ... وليس إكراها وعدوانا ..
وهذا الفعل المجدي أخلاقيا وحضاريا وإنسانيا ... هو من أساسيات إقامة المجتمعات الإنسانيتة الحضارية ذات المستوى العالي إنسانيا ... المليئة بالعدل والمساواة والحب والسلام ...
(وَامْسَحُواْ) ...
المسح هو ما تتعبر عنه اللغة بمفهوم الشرح والتبسيط .. فالمسح هو إمرار الشيء على الشيء بسطا ... أي شرحه وتحليله وإفهامه للآخرين بكل هدوء وروية ... وإذا لم يفهموا فعلينا إعادة الشرح والتحليل حتى يفهموا ... وهذه العملية يطلق عليها الله صفة المسح ... ولذلك أخذ المسيح صفته من فعله وتكراره لشرح ما أتى به من عند الله ...
(بِرُؤُوسِكُمْ) ...
الراس في اللغة هي ما يدل على مجموعة من الأشياء مترابطة مختلفة .. ولكنها في مكان عالي ...
فكل رأس هو ما يعلو ما تحته ... فإذا كان شيئا .. فهو قمته .. وإذا كان إنسانا فهو مجموعة ما يتواصل به مع المحيط .. ولولا هذا الرأس بما يحويه من سمع وبصر وشم .. وأهمهم .. الوعي .. لما كان رأسا ... والمجموعة من الناس تسمى رأسا عندما تكون من علية الناس ... سياسيين وفلاسفة ومفكرين وعلماء .. ورجال دين من الفقهاء المتميزين بحق ...
(وَأَرْجُلَكُمْ) ...
الرجل هو ما يدل لغويا على معنى الوقوف والثبات أمام المغريات وعدم الإنصياع لها ... وهو الذي يؤدي واجبه كاملا وعلى أكمل وجه ... وفي القرآن هناك صياغتان في حال الجمع ...
- (رجال) وهي تدل على الذين يقفون موقفهم ويثبتون أمام مسؤولياتهم بكل الوعي والعلم ...
- (أرجل) وهي تدل على الذين يؤدون أدوارهم في الحياة دون أي اهتمام بالتفاصيل .. ودون أي وعي أو علم ...
فمثلا .. الفلاح الذي لم يدرس وقضى حياته في الأرض .. يقوم بدوره في الحياة الذي لا يعلم غيره ولا يعرف سواه .. وذلك دون أن يدرك أن دوره مهم جدا على الصعيد العام اجتماعيا واقتصاديا ... وهو يخاف على زرعه ويهتم به دون أن يفكر إلى من سيصل ومن سيستفيد منه ... ويبكي بحرقة في حال إصابة هذا الزرع بأي ضرر وكأنه وليده ... هو رجل ... ولكن عندما نجمعه مع غيره من اصحاب المهن الأخرى فهم أرجل ... وتعبر الكلمة عن عامة الناس ...
(إِلَى الْكَعْبَينِ) ...
إلى ... هو سعي لهدف ...
ونتفاجأ أن الكعبين هو هدف ... وليس مجرد توصيف لمنطقة محددة من ما في جسمنا ...
الكعب ... هو ما يدل على النتوء والارتقاء في الشيء ...
والنتوء في الشيء هو خروج عنه وسمو وارتقاء ... وهو ما يعبر عن عدم اتباع لمجرد أن الأغلبية تتَّبع منهجا معينا في الحياة ..
النتوء ماديا هو خروج قطعة من الخشب عن جسم الخشب .. وليس تركيب قطعة خشب فوق قطعة خشب أخرى .. وكذلك عندما نتحدث عن النتوء في الناس .. فالمعنى هو الارتقاء فكريا للنتوء خارجا عن سطحية التفكير الشائعة والسائدة ..
وبالتالي .. كل ما سبق من كلمات .. والتي عبرت عن أعمال حقيقية ذات جدوى .. هو لإيصال رؤوسنا ... عليَّة القوم من العقلاء .. وأرجلنا ... عامة الناس بشكل عام ... إلى الكعبين ..
اليس غريبا أن يكون هناك كعبين ولا يستغرب الناس لماذا أتت الصياغة بهذا الشكل ...؟؟؟
(وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) ...
الرأس معطوفا عليه الأرجل ... أي أن الكعب موجود في الرأس كما هو موجود في الأرجل ...!!!
أليس هذا غريبا ...!!!؟؟؟
لماذا لم يقف علماء اللغة عند هذه النقطة ولم يوجهوها إلى وجهتها الصحيحة ... أليس هذا تحريفا للنص القرآني ...؟؟؟
والمقصود لغويا وقرآنيا .. هو مسح العلم والمعرفة والحكمة وشرحها وإفهامها لكل الناس .. رؤوسا كعلماء وفلاسفة وعقلاء من جهة .. وهو كعب عالي المستوى ولا يستطيع عليه كل الناس ... ولذلك توجب وجود كعب آخر .. وهو أعلى مستوى ممكن مما يستطيع عامة الناس أن يصلوا إليه لأنهم لا يمكن أن يصلوا بحق إلى كعب العلماء والفلاسفة ...
هذا أمر إلهي عالي المستوى .. وهو أمر لكل إنسان مؤمن ... وعلى كل إنسان عاقل أن يقوم بهذا الدور لأنه أمر الله ودليل الإيمان ... وهو حقيقة معنى السلام والإسلام ...
(وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ) ...
أي إن كنتم بعيدين عن المكان الذين تقام فيه الصلاة ... وليس المقصود فقط مكانيا .. بل فكريا ...
فكلمة (كُنتُمْ) تدل بمعناها اللغوي الذي لا ينتبه إليه أحد على معنى القناعة ... ولذلك فالاية تقول وبكل الحرية:
هل أنت مقتنع أنك لست على صواب ولست على حق ...؟؟؟
إذا توجه إلى المكان (فكريا) الذي تقام فيه الصلاة (جمعا) .. فإقامة الصلاة حتما جماعة ... ولا يوجد في القرآن إقامة صلاة فردية إطلاقا ...
وبما أن الآية وجهت منذ البداية إلى الغسل الذي هو أعم وأشمل من النظافة والطهارة .. فهنا يدل على معى الطهر الذي هو تحديدا نقاء الروح ونقاء الضمير الذي يحث الإنسان العاقل على السعي إلى الحق ... وخاصة عندما لا يملك الدليل على صحة ما كا يؤمن به ... ويجد كل الأدلة والبراهين التي تثبت وتوجه إلى مكان تلك الصلاة القائمة ... وهذا ما يؤكده تتمة الاية الكريمة بكل الدقة ...
(وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) ...
المرض في القرآن لا يدل أبدا على مرض جسدي ... ولكنه يدل حتما وبكل التأكيد على مرض الفكر وتعطيله ...
السفر لغويا هو الزحزحة من المكان ... وبالتأكيد ليس السفر في الأرض جغرافيا ... ولكنه سفر الفكر في البحث عن الحق وهو ما يعبر عن التوهان الذي يخوض فيه الناس وهم يبحثون عن الحق ...
(أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء) ...
الغائط لغويا هو المكان البعيد (جغرافيا) .. والذي بسبب بعده لم يدري ولم يعلم بغقامة الصلاة وما نتج عنها من حق وعلم ومعرفة وحكمة ... وبالتالي هو بحاجة لأن يخوض ويغوص في كل العملية القائمة من البداية حتى يتأكد أن ما يقام هو الحق وبكل الأدلة والبراهين ... وهذا من الحق والعدل ...
أما كلمة (لاَمَسْتُمُ) .. فاللمس لغويا يدل على حقيقة فهم الشيء بكل تفاصيله .. فاللمس هو إدراك الشياء بلمسها ودراستها وامتلاك الخبرة فيها ... وبالتالي سنتخذ منها موقفا إيجابيا كان أم سلبيا ... وبما أن كلمة النساء لا تدل على إناث إطلاقا ... بل هي كلمة تدل على المجتمع ككل ... وهذا المجتمع بكل ثقافته السائدة ... والتي يفرضها التقليد والعادات والاتباع .. هو ما تعبر عنه هذه الكلمة ...
وليس هذا فقط ...
بل .. وبما أن كلمة نساء تدل على ما تأخر من الفعل .. فإن إقامة الصلاة من المصلين .. هو عمليا تغيير مفاهيم المجتمع الخاطئة وتبديلها بالتي هي أقوم من ما يعلما ويوصينا به الله في قرآنه العظيم ... فإن هذا الفعل .. وهؤلاء المجموعة من المصلين يشكلون نسيئا جديدا ... وهو ما يجب أن ندقق فيه ونلامسه ونكتشفه حتى نتعامل معه بعلم ومنطق دون اتباع أعمى ... ولذلك قال الله مباشرة بعد كلمة نساء:
(فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء) ...
الماء من الجذر (مَوَهَ): وهو في اللغة يدل على معنى الشيء الذي لا صفة واضحة له ... أي المبهم الغير واضح ...
إذا ... فالقصد ... إذا لم تجدوا شيئا مبهما غامضا غير واضح في هذه الصلاة ... وكانت البراهين والعلم هما من يوضحها ويشرحها ويؤكدها ... فيتبابع:
(فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً) ...
(تَيَمَّمُواْ) من الجذر (أمَّ): أي قصد الشيء وهو يطلبه ويسعى له بكل معرفة وعلم .. وليس بجهل واتباع أعمى ...
و (الصعيد) هي الأرض الصلبة .. التي نستطيع أن نبني عليها ما نريد أن نبنيه حتى لا ينهار علينا من بعد عذاب بنيانه ..
وفكريا معنويا ... هي الأرض الصلبة التي نبني عليها إيماننا الصحيح الخارج عن الاتباع الأعمى لكل ما هو أسطوري خرافي نتيجة دجل وجهل من هم ليسوا في محل ثقة أبدا ...
(طَيِّباً) وهو من الطيبات التي أحلها الله لنا .. وهو ما يريده لنا .. لأن فيه حلاوة وجمال الحياة الدنيا .. وحقيقة مفهوم السلام ...
وأما تتمة الآية الكريمة:
(امْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
فهو بحق ليس بحاجة لي شرح من بعد كل ما شرحناه من كلمات الاية لغويا ومنطقيا ...
وهو مشروح أصلا من ضمن ما شرحناه ...
ما هي المنهجية التي يجب أن نتبعها للوصول للجدوى بشكل عام ...؟؟؟
الله يقول لنا جميعا ...
هذه خطة إلهية واضحة بامتياز ولا لبس فيها .. ولا مزاجية من بشر .. ولا حتى نسبية المنهج ...
هو منهج مطلق .. كإطلاق القرآن نفسه .. كل من يقرأ هذا النص عليه أن يقوم بتطبيق هذا المنهج واتباع هذه الخارطة الطريقية حتى يصل إلى الجدوى دون أي توهان أو ضياع أو تعثر في المتابعة بأي شكل كان ...
وتتكون مما يلي:
1 - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ [الشعراء : 195]
أي اتباع اللسان العربي السليم الصحيح الغير مسيَّس والغير محرف بناء على مسلمات ليست بمسلمات .. وفهم خاطئ مفروض بحجة التواتر ...
2 - قال لنا بداية:
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان : 32]
ثم طلب منَّا أن نقوم بما قام به:
أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزّمِّل : 4]
والترتيل: هو حسن صف الشيء ... أي وضع إخراج الآيات التي تتحدث ع موضوع معين من النسق القرآني وصفها بحسب ما تبين لنا بنفسها .. فيكون لدينا موضوعا متكاملا يجيب على أي سؤال مهما كان ...
3 - وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء : 36]
أي أن لا نستمع إلى الخرافات والأساطير بحجة أن الله قادر على ذلك ... بل ما يحضنا الله عليه هو العلم فقط ... العلم المنطقي المرتبط بالأدلة الحقيقية التي تبرهن على القانون الذي يتحرك الكون كله بناء عليه .. وهو مشيئة الله ... أقتنع بذلك المتأسلمون أم لم يقتنعوا ...
ومن خلال اللغة الصحيحة السليمة الغير محرفة .. ومن خلال ترتيل آيات القرآن .. ومن خلال ربط القرآن بالعلم والمنطق ... سنهتدي بحق لننقل أنفسنا من خلال هذا الصراط المستقيم من الظلمات إلى النور ...
وبناء على ما تقدم ... نجد أنفسنا بحق في مواجهة اللغة بدءا .. فهي من سيحدد المعنى اللغوي الذي من خلاله سنربط كلمات وآيات القرآن بالعلم والمنطق لنصل إلى الحكمة ...
إن الصلاة في حقيقتها كما بينها ووضحها الله في قرآنه تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأولى: بحسب قوله:
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل : 98]وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً [الإسراء : 45]
وهذه الآيات ليست موجهة للرسول ... فهو رسول الله ... وأخذ صفته كرسول من نقل النص القرآني إلى الناس ... وليس ليستقبل النص القرآني لنفسه فقط:
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف : 158]
الثانية: بحسب قوله:
فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً [النساء : 103]
ويجب أن ننتبه بكل دقة إلى أن قضاء الصلاة ليس أننا انتهينا من الصلاة ... والدليل أنه قال بعدها مباشرة: (فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ) ... والفرق كبير ......
وقضاء الصلاة .. هو عمل جماعي حتما .. على عكس المرحلة الأولى التي خاطب فيها الإنسان مفردا ... لأن الصلاة الأولى التي هي دراسة وقراءة وتدبر القرآن لا يمكن إلا أن تكون بشكل فردي .. والتفكير بشكل فردي ... والتحليل لكلمات وآيات القرآن بشكل فردي ... على عكس قضاء الصلاة .. الذي هو عمل جماعي .. بأن يأتي كل دارس قارئ للقرآن ببيناته وبراهينه ليقول وينشر بين المتدبرين ما وصل إليه من القرآن ...
وكل منهم يبين تدبره وبيناته ... ويتناقشون في الأدلة والبراهين المنطقية العلمية حتى يصلوا إلى رأي واحد من الجميع من خلال العلم والبراهين وليس بالفرض والقوة ... فيكون ذلك الحكم على الشيء ... أي القضاء ... فالقاضي لا يحكم على أحد إلا ببينات وبراهين ولذلك أخذ صفته كقاضي .. وأخذ رأيه العلمي المنطقي صفة القضاء ...
وهذا القضاء الجمعي هو ما يقول الله عنه:
وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الشورى : 38]
وبنفس الوقت هي الصلاة الوسطى .. بحسب قوله:
حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ [البقرة : 238]
حيث أن المعنى اللغوي يدل على معنى الوسط .. الإعتدال .. ومعنى الحق .. ومعنى الأفضل أو الأعلى مكانة لما فيه من تبيان وشرح ورأي قائم على أفضل ما تم التوصل إليه بحسب قوله تعالى:
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ [الزمر : 18]
وقد حدد الله في هذه الآية أمرا مهما جدا يشرح حقيقة الصلاة ويعلي شأنها تماما ... فقد قال:
(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ) ... ولم يقل: (الأقوال) ... باعتبار أن كل قول .. الذي هو موضوع أو آية أو مشكلة يتم البحث في حلها .. كل قول له عدة مستويات من الفهم .. بحسب الأرضية المعرفية والقدرة على التعامل مع الرمز القرآني .. وهو ما يوصل الناس إلى مستوى عالي من التجريد .. أي الابتعاد عن كل مشخص .. وهو ما يبدو لنا وثنا غير مقبول أي تعامل معه لما فيه من الوثنية في تلك المرحلة من التدبر العاقل الواعي ... ولا يقربنا حقا وفعلا من الله الذي ليس كمثله شيء ...
والثالثة: بحسب قوله:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة : 6]
وفي هذه الآية التي يطول شرحها حقا .. توصيف وتحليل بكل معنى الكلمة .. عمليا ومنطقيا حقيقة إقامة الصلاة ... وليس مجرد سكب بعض الماء على بعض مناطق الجسد ... واللغة العربية الفصيحة البليغة قادرة على تبيان معنى كل كلمة في هذه الآية لمن انتهج منهج اللغة الصحيحة السليمة وربطها بمنطق البحث عن الجدوى ... وليس مجرد اتباع ما لا منطق به أو فيه لأننا لا نفهم لغتنا بشكل صحيح ولا نسعى إلى ذلك ...
يقول تعالى:
(إِذَا قُمْتُمْ) ...
وكلمة (قُمْتُمْ) من الجذر (قَوَمَ): وهو يدل على معنى العزيمة وبذل الجهد الكبير في سبيل تحقيق هدف سامي .. وهو إصلاح وتعديل كل اعوجاج وخطأ ...
وعندما ننادي: ياقوم .. فنحن ننادي أصحاب الوعي والعقل والمنطق واصحاب العزيمة لنتساعد في تحقيق ما نريد تحقيقه .. وهو ليس دعوة للعامة من الناس على الإطلاق ... فلربما كان منهم من يملك الإرادة حقا على السعي لتنفيذ ما ندعو إليه .. ولكنه حتما ليس ممن يمتلكون المؤهلات المعرفية والفكرية والعلمية .. وحتى العزيمة على إنهاء هذا الأمر ...
فالخطاب إذا يكون لأهل المقدرة ... فهم قومي لأنهم يمتلكون نفس التوجهات .. والقومية العربية من ذلك .. لأننا ندافع عن ثقافة وحضارة تجاوزت الـ 50.000 سنة ...
وبالتالي .. قمتم إلى الصلاة .. أي أنكم تبذلون كل الجهد لتصحيح كل الأخطاء بكل العلم والمنطق .. وتحديدا .. بالتي هي أحسن ...
(إِلَى الصَّلاةِ) ...
نلاحظ أنه يقول: (إلى) .. وهذا غريب بالنسبة لما هو شائع وسائد .. فالعادة أننا (نقيم الصلاة) .. وهذا حقا ما طلبه الله:
فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً [النساء : 103]
ولكن إقامة الصلاة كما تشرح لنا الآية هي في تفاصيلها الدقيقة: أن نقوم إلى الصلاة ... وهذا غير مفهوم حتى اليوم ...
والحقيقة أن القيام إلى الصلاة مرتبط بمفهوم الصلاة الحقيقي الذي هو ليس مجرد حركات غير ذات جدوى .. وهي مجرد طقس اخترعه الناس لإحساسهم أنهم يقفون بين يدي الله .. وهم بحاجة لهذا الإحساس ... وينسون .. أو يتناسون .. أننا دائما بين يدي الله .. فالله ليس مجرد طقس على الإطلاق ...
والصلاة ليست من الجذر وصل كما يصر الغالبية العظمى .. ولكن من الجذر صلو: وهو يدل على معنى ما أشبه بحرارة النار نتيجة الجهد والبذل والسعي ... وهو مرتبط تماما بمفهوم (القوم) ...
(فاغْسِلُواْ) ...
الغسل هو مفهوم أشمل وأكبر من النظافة والطهارة ...
الغسل هو تنظيف كل شيء ... فكرا وروحا وقلبا ووعيا وعلما وقدرة وقوة .. ولكنه حتما لا يمكن أن يكون مجرد غسل لبعض أطراف الجسد لأن ذلك يحول معنى الغسل إلى مجرد أفعال لا معنى لها .. ولا جدوى ..............................
(وُجُوهَكُمْ) ...
الوجه لا يعبر عن مقدمة الرأس إلا من حيث أنه تعريف بشخصياتنا ... فالوجه يعبر عن الذات ... فالقرآن لا يتعامل مع المعنى النسبي كما تعامل معه نحن .. بل يتعامل مع المعنى المطلق دائما .. ونحن علينا أن نجد مدلوله النسبي بحسب أرضيتنا المعرفية ... وهذا قانون قرآني لا يجب أن نتاجهله أو ننساه ابدا ..............................
(وَأَيْدِيَكُمْ) ...
اليد تعبر عن القوة والقدرة على الفعل ... وبالتالي فالله يريد أن أن يعلِّمنا أن الصلاة لا تقوم على العنف والإكراه ... فغسل الذات والقدرة هو ما يدل على عدم استغلال سلطتنا في توجيه الصلاة لغير وجهتها الصحيحة ... والكلمة التالية تدل بقوة على هذا المعنى ...
(إِلَى الْمَرَافِقِ) ...
إلى .. هو الوصول لهدف ...
المرافق .. الذي هو هدفنا جميعا (بصيغة الجمع) ... هي من الجذر (رفق): وهو يدل على الموافقة والمقاربة بلا عنف ...
وهو ليس مجرد اسم لمفصل في الذراع لا يمكن أن يؤدي إلى أي معنى أو إلى أي جدوى ...
والقصد .. أن أكون متوافقا مع من نقيم معهم الصلاة بكل العلم والمنطق والبرهان لنتوافق فكرا وعلما ... وليس إكراها وعدوانا ..
وهذا الفعل المجدي أخلاقيا وحضاريا وإنسانيا ... هو من أساسيات إقامة المجتمعات الإنسانيتة الحضارية ذات المستوى العالي إنسانيا ... المليئة بالعدل والمساواة والحب والسلام ...
(وَامْسَحُواْ) ...
المسح هو ما تتعبر عنه اللغة بمفهوم الشرح والتبسيط .. فالمسح هو إمرار الشيء على الشيء بسطا ... أي شرحه وتحليله وإفهامه للآخرين بكل هدوء وروية ... وإذا لم يفهموا فعلينا إعادة الشرح والتحليل حتى يفهموا ... وهذه العملية يطلق عليها الله صفة المسح ... ولذلك أخذ المسيح صفته من فعله وتكراره لشرح ما أتى به من عند الله ...
(بِرُؤُوسِكُمْ) ...
الراس في اللغة هي ما يدل على مجموعة من الأشياء مترابطة مختلفة .. ولكنها في مكان عالي ...
فكل رأس هو ما يعلو ما تحته ... فإذا كان شيئا .. فهو قمته .. وإذا كان إنسانا فهو مجموعة ما يتواصل به مع المحيط .. ولولا هذا الرأس بما يحويه من سمع وبصر وشم .. وأهمهم .. الوعي .. لما كان رأسا ... والمجموعة من الناس تسمى رأسا عندما تكون من علية الناس ... سياسيين وفلاسفة ومفكرين وعلماء .. ورجال دين من الفقهاء المتميزين بحق ...
(وَأَرْجُلَكُمْ) ...
الرجل هو ما يدل لغويا على معنى الوقوف والثبات أمام المغريات وعدم الإنصياع لها ... وهو الذي يؤدي واجبه كاملا وعلى أكمل وجه ... وفي القرآن هناك صياغتان في حال الجمع ...
- (رجال) وهي تدل على الذين يقفون موقفهم ويثبتون أمام مسؤولياتهم بكل الوعي والعلم ...
- (أرجل) وهي تدل على الذين يؤدون أدوارهم في الحياة دون أي اهتمام بالتفاصيل .. ودون أي وعي أو علم ...
فمثلا .. الفلاح الذي لم يدرس وقضى حياته في الأرض .. يقوم بدوره في الحياة الذي لا يعلم غيره ولا يعرف سواه .. وذلك دون أن يدرك أن دوره مهم جدا على الصعيد العام اجتماعيا واقتصاديا ... وهو يخاف على زرعه ويهتم به دون أن يفكر إلى من سيصل ومن سيستفيد منه ... ويبكي بحرقة في حال إصابة هذا الزرع بأي ضرر وكأنه وليده ... هو رجل ... ولكن عندما نجمعه مع غيره من اصحاب المهن الأخرى فهم أرجل ... وتعبر الكلمة عن عامة الناس ...
(إِلَى الْكَعْبَينِ) ...
إلى ... هو سعي لهدف ...
ونتفاجأ أن الكعبين هو هدف ... وليس مجرد توصيف لمنطقة محددة من ما في جسمنا ...
الكعب ... هو ما يدل على النتوء والارتقاء في الشيء ...
والنتوء في الشيء هو خروج عنه وسمو وارتقاء ... وهو ما يعبر عن عدم اتباع لمجرد أن الأغلبية تتَّبع منهجا معينا في الحياة ..
النتوء ماديا هو خروج قطعة من الخشب عن جسم الخشب .. وليس تركيب قطعة خشب فوق قطعة خشب أخرى .. وكذلك عندما نتحدث عن النتوء في الناس .. فالمعنى هو الارتقاء فكريا للنتوء خارجا عن سطحية التفكير الشائعة والسائدة ..
وبالتالي .. كل ما سبق من كلمات .. والتي عبرت عن أعمال حقيقية ذات جدوى .. هو لإيصال رؤوسنا ... عليَّة القوم من العقلاء .. وأرجلنا ... عامة الناس بشكل عام ... إلى الكعبين ..
اليس غريبا أن يكون هناك كعبين ولا يستغرب الناس لماذا أتت الصياغة بهذا الشكل ...؟؟؟
(وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) ...
الرأس معطوفا عليه الأرجل ... أي أن الكعب موجود في الرأس كما هو موجود في الأرجل ...!!!
أليس هذا غريبا ...!!!؟؟؟
لماذا لم يقف علماء اللغة عند هذه النقطة ولم يوجهوها إلى وجهتها الصحيحة ... أليس هذا تحريفا للنص القرآني ...؟؟؟
والمقصود لغويا وقرآنيا .. هو مسح العلم والمعرفة والحكمة وشرحها وإفهامها لكل الناس .. رؤوسا كعلماء وفلاسفة وعقلاء من جهة .. وهو كعب عالي المستوى ولا يستطيع عليه كل الناس ... ولذلك توجب وجود كعب آخر .. وهو أعلى مستوى ممكن مما يستطيع عامة الناس أن يصلوا إليه لأنهم لا يمكن أن يصلوا بحق إلى كعب العلماء والفلاسفة ...
هذا أمر إلهي عالي المستوى .. وهو أمر لكل إنسان مؤمن ... وعلى كل إنسان عاقل أن يقوم بهذا الدور لأنه أمر الله ودليل الإيمان ... وهو حقيقة معنى السلام والإسلام ...
(وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ) ...
أي إن كنتم بعيدين عن المكان الذين تقام فيه الصلاة ... وليس المقصود فقط مكانيا .. بل فكريا ...
فكلمة (كُنتُمْ) تدل بمعناها اللغوي الذي لا ينتبه إليه أحد على معنى القناعة ... ولذلك فالاية تقول وبكل الحرية:
هل أنت مقتنع أنك لست على صواب ولست على حق ...؟؟؟
إذا توجه إلى المكان (فكريا) الذي تقام فيه الصلاة (جمعا) .. فإقامة الصلاة حتما جماعة ... ولا يوجد في القرآن إقامة صلاة فردية إطلاقا ...
وبما أن الآية وجهت منذ البداية إلى الغسل الذي هو أعم وأشمل من النظافة والطهارة .. فهنا يدل على معى الطهر الذي هو تحديدا نقاء الروح ونقاء الضمير الذي يحث الإنسان العاقل على السعي إلى الحق ... وخاصة عندما لا يملك الدليل على صحة ما كا يؤمن به ... ويجد كل الأدلة والبراهين التي تثبت وتوجه إلى مكان تلك الصلاة القائمة ... وهذا ما يؤكده تتمة الاية الكريمة بكل الدقة ...
(وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) ...
المرض في القرآن لا يدل أبدا على مرض جسدي ... ولكنه يدل حتما وبكل التأكيد على مرض الفكر وتعطيله ...
السفر لغويا هو الزحزحة من المكان ... وبالتأكيد ليس السفر في الأرض جغرافيا ... ولكنه سفر الفكر في البحث عن الحق وهو ما يعبر عن التوهان الذي يخوض فيه الناس وهم يبحثون عن الحق ...
(أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء) ...
الغائط لغويا هو المكان البعيد (جغرافيا) .. والذي بسبب بعده لم يدري ولم يعلم بغقامة الصلاة وما نتج عنها من حق وعلم ومعرفة وحكمة ... وبالتالي هو بحاجة لأن يخوض ويغوص في كل العملية القائمة من البداية حتى يتأكد أن ما يقام هو الحق وبكل الأدلة والبراهين ... وهذا من الحق والعدل ...
أما كلمة (لاَمَسْتُمُ) .. فاللمس لغويا يدل على حقيقة فهم الشيء بكل تفاصيله .. فاللمس هو إدراك الشياء بلمسها ودراستها وامتلاك الخبرة فيها ... وبالتالي سنتخذ منها موقفا إيجابيا كان أم سلبيا ... وبما أن كلمة النساء لا تدل على إناث إطلاقا ... بل هي كلمة تدل على المجتمع ككل ... وهذا المجتمع بكل ثقافته السائدة ... والتي يفرضها التقليد والعادات والاتباع .. هو ما تعبر عنه هذه الكلمة ...
وليس هذا فقط ...
بل .. وبما أن كلمة نساء تدل على ما تأخر من الفعل .. فإن إقامة الصلاة من المصلين .. هو عمليا تغيير مفاهيم المجتمع الخاطئة وتبديلها بالتي هي أقوم من ما يعلما ويوصينا به الله في قرآنه العظيم ... فإن هذا الفعل .. وهؤلاء المجموعة من المصلين يشكلون نسيئا جديدا ... وهو ما يجب أن ندقق فيه ونلامسه ونكتشفه حتى نتعامل معه بعلم ومنطق دون اتباع أعمى ... ولذلك قال الله مباشرة بعد كلمة نساء:
(فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء) ...
الماء من الجذر (مَوَهَ): وهو في اللغة يدل على معنى الشيء الذي لا صفة واضحة له ... أي المبهم الغير واضح ...
إذا ... فالقصد ... إذا لم تجدوا شيئا مبهما غامضا غير واضح في هذه الصلاة ... وكانت البراهين والعلم هما من يوضحها ويشرحها ويؤكدها ... فيتبابع:
(فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً) ...
(تَيَمَّمُواْ) من الجذر (أمَّ): أي قصد الشيء وهو يطلبه ويسعى له بكل معرفة وعلم .. وليس بجهل واتباع أعمى ...
و (الصعيد) هي الأرض الصلبة .. التي نستطيع أن نبني عليها ما نريد أن نبنيه حتى لا ينهار علينا من بعد عذاب بنيانه ..
وفكريا معنويا ... هي الأرض الصلبة التي نبني عليها إيماننا الصحيح الخارج عن الاتباع الأعمى لكل ما هو أسطوري خرافي نتيجة دجل وجهل من هم ليسوا في محل ثقة أبدا ...
(طَيِّباً) وهو من الطيبات التي أحلها الله لنا .. وهو ما يريده لنا .. لأن فيه حلاوة وجمال الحياة الدنيا .. وحقيقة مفهوم السلام ...
وأما تتمة الآية الكريمة:
(امْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
فهو بحق ليس بحاجة لي شرح من بعد كل ما شرحناه من كلمات الاية لغويا ومنطقيا ...
وهو مشروح أصلا من ضمن ما شرحناه ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق