الاثنين، 14 يوليو 2014

القرض يؤدي إلى حور العين ... فحور عين الجنَّة ...

+Bassim Morali

يقول الله العظيم الحليم:

مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة :

245]

المفهوم الشائع للقرض هو (الدَّيْن) ...
أعطيك شيئا ما .. فأنت الآن مَدِينٌ لي ... وعليك أن تعيده لي ...وهو مفهوم الدِّين بالمطلق ... لنرى كيف يكون ذلك بتفصيل آيات الله:

الله يقول للناس ويوجههم وينبههم إلى مفهوم القرض ..
ونسأل: هل الله بحاجة لقرض من الناس ...!!!؟؟؟
ما هذا القرض الذي نعطيه لله فيضاعفه لنا أضعافا كثيرة ...؟؟؟

بحسب معجم مقاييس اللغة:

قرض: القاف والراء والضاد أصلٌ صحيحٌ، وهو يدلُّ على القطع.

بالتأكيد ليس مجرد قطع إعتباطي غير محدَّد وغير موضَّح وغير مبيَّن ...
ولكن المعنى الصحيح الذي ينتمي إلى اللسان العربي السليم نصل إليه من خلال كلمات الله في قرآنه:

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المزّمِّل : 20]

نلاحظ كيف شرح الله لنا بكل دقة ووضوح تفاصيل معنى القرض ... وهو ما حدده بقوله:

(فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَنا) ...

وللتأكيد على مفهوم القرض .. الذي هو اقتطاع جزء ما من حياتنا في سبيل فهم وتطبيق ونشر كلمات الله بين الناس لنستفيد منه جميعا ... فأي خير يسعى الناس جميعا لنشره فيما بينهم سيجعل الحياة أجمل وأرقى وأكثر سعيا للعلم والمعرفة والحكمة .. وهو ما يوصلنا جميعا لفهم حقيقي لمعنى الإيمان والاقتراب من هذا الإله الخالق الرحمن الرحيم العليم الخبير ... ولذلك قال:

(وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً) ...

لقد قدمنا الخير في الحياة الدنيا .. واجتهدنا ليكون هذا الخير عاما قدر الإمكان .. ربما لن نستطيع أن ندرك كل أبعاد الخير .. ففهم القرآن بحاجة إلى كل من في الأرض ليفهموه .. وربما سيكون هناك مما لن يصلوا له .. وبالتالي الاكتفاء بأعداد قليلة للقيام بعمل جماعي يشمل كل الناس هو جهد في غاية الشجاعة والبذل والعطاء والتضحية ... وهذا ما يقدره الله تماما فيقول:

(وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ) ...

الليل والنهار ليسا مجرد مرور يوم أرضي .. تلف الأرض فيه حول نفسها لتشكل من ذلك .. 12 ساعة من العتم .. و 12 ساعة من النور ...!!!
بل الليل .. هو ما يدل على عدم القدرة على الفعل نتيجة كل ما يمكن أن يمنع هذا الجهد وهذا السعي .. ومن ثم انتشاره بين الناس .. وبالتالي سيكون أداء من يسعون ليقرضوا الله قرضهم الحسن قليلا بسيطا بطيئا .. ولكن الله سيقدِّر إمكانياتهم التي وُوجِهَت بكثير من المنع والتشديد ..
أما النهار .. فهو عكس الليل .. وهو يدل على من يشق طريقه بنفسه لقوته وشدته وتأثيره بما يحيط به فيكيفه بناء على هذه القوة وهذه الشدة ...

إذا القرض هو عمل مجهد .. يقوم به فئة قليلة .. لغايةٍ الوصول إليها بحاجة لعمل مجموعات بشرية هائلة جدا ... هذا هو القرض بمعناه القرآني:

وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ [المائدة : 12]

ولننتبه إلى قوله تعالى كيف ربط بين مفهوم القرض وبين ما سبقه من إقامة الصلاة إيتاء الزكاة:

(قَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً)

ولذلك عندما نقرأ قوله تعالى نفهم حقيقة القرض الذي قدمه أصحاب الكهف:

وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً [الكهف : 17]

الشمس رمز قرآني يدل على الحق .. المعرفة .. الوضوح .. البصيرة .. القرآن ...
فإذا طلعت الشمس وفرقت بين الحق والباطل بالعلم والمنطق (تَّزَاوَرُ) .. أي مالوا وابتعدوا عن الشر وعدلوا حالهم وأحوالهم نحو اليمين .. الذي هو الخير العام الواضح والصريح ...
فإذا غَرَبَت الشمس .. أي أخذت حدَّها البعيد .. ولم يستطع الحق أن ينتشر ويوضِّح ويبيِّن للناس .. فسيكون الشرُّ منتشرا وأكثر قوة .. فارضا شرَّه بكل علانية دون أي خشية أو خوف .. فأولياء الشرِّ منتشرون مسيطرون يبعدون الشمس وأتباعها بكل عنف وقسوة ... وهذا ما سيجعل المؤمنين بالله وكلماته (الشمس) يقومون بجهد مضاعف .. أكبر بكثير مما يمكنهم القيام به .. ولكنهم لا يتوانون عن أداء دورهم بكل طيبة خاطر .. ويبذلون كل ما يستطيعون ليقيموا صلاتهم ويؤتوا زكاتهم وذلك من خلال ما استيسر لهم من نشر لهدي الله بأقل خسائر ممكنة .. فكل خسارة هي خسارة علم وفكر ونور .. وليست مجرد خسارة لإنسان .. وهي بحد ذاتها خسارة كبيرة عظيمة .. فكيف إذا كان من المميزين فكرا وعلما ونورا .. وتضحية ...؟؟؟

من هذا الفهم المدهش لقرض الله .. نصل لمفهوم مهم جدا .. مات الكثيرون لشدة تأثيره السلبية على عقول أصحاب الإتباع الأعمى .. وهو مفهوم: (حور العين) ...!!!

حور العين .. كلمتان تشكِّلان مفهوما أساسيَّا في العلاقة بين القَرْض والجنَّة ...
حُوْر من الجذر حَوَرَ: وهو يدل على معنى البياض في الشيء وفي حركته .. ورجوعه في كل حركة إلى محور يدور حوله يأخذ منه ليستمر في حركته .. وهو ما يدل على الإنسان المؤمن الحقيقي الذي يلتزم تعاليم الله ووصاياه وأوامره ونواهيه .. الذي لا يستكين لفهم ثابت فيبقى في حركته بحثا عن العلم والمنطق والبرهان بغاية الوصول إلى الحكمة .. والتي هي بحد ذاتها ليست غاية المؤمن .. ولكن سبيله إلى فهم أعمق لصراط الله المستقيم .. وقدرة أكبر على نشرها بين الناس بالحق وبالعلم وبالَّتي هي أحسن .. وذلك ما يجعل ذاك المؤمن عيناً من أعيان الحق ..
فالعين: هي زبدة وخلاصة الشيء .. وفيها فائدته .. والعين هي ما يطلق خيره بنفسه دون أي تحفيز أو إغراء أو مصالح أو أي شيء يسقط القيمة الروحية والفكرية التي يسعى لها هذا المؤمن في نشر الفكر الإيماني الصحيح بالشكل الصحيح بين الناس دون خوف أو تردد أو تفكير بمقابل ...

إذا .. حور العين .. ليس إناث في الجنة تُنْكَح طوال الوقت بحسب الأسطورة العجيبة التي نشرها أعداء الناس .. وأعداء الدين .. وأعداء الله ...
بل .. حور العين .. هو مفهوم راقي تماما ينتمي مباشرة إلى مفهوم القرض الحسن ... ولكن الفارق بينهما أن إقراض الله القرض الحسن يكون في الحياة الدنيا ..
أما حور العين فيكون متواصلا مستمرا ما بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة .. وهو مرتبط بما عبر الله عنه بقوله: (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً) ... فالخير على هذه الأرض سيكون جراء القرض وحور العين ... كمفهومان أساسيان مرتبطان ببعضهما ...ثم يصف الله لنا ويشرح هذا الجزاء المضاعف في الحياة الآخرة بقوله:

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان : 51]فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الدخان : 52]يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ [الدخان : 53]كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [الدخان : 54]يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ [الدخان : 55]لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [الدخان : 56]فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الدخان : 57]

وهذان المفهومان الساميان الراقيان أخلاقيا وإنسانيا وإيمانيا هما هدف الإنسان المؤمن الحقيقي وغايته .. فالوصول إلى جنة الخلد سيؤدي إلى تقرُّبِه من الله .. فليس للجنة قيمة حقيقية بحد ذاتها لولا هذا التقرب المطلوب والمرغوب بشدة وقوة من كل مؤمن حقيقي بالله ...
ومن مفهوم القرض الحسن .. ومفهوم حور العين .. نصل إلى التساؤل الأكبر:
الجنَّة والجحيم ... والخلود ...؟؟؟
حقيقة الحياة الآخرة بحسب ما وصفها لنا الله في قرآنه العظيم ...؟؟؟

إن نظرتنا الأسطورية الخرافية العجائبية لقصص القرآن تبعده عن أن يكون كتابا علميا بالمعنى الحقيقي للكلمة .. بينما نجد أن كل ما فيه يدعونا إلى العلم والمنطق العقلاني الموضوعي:

وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء : 36]

وبما أن لا هدى إلا هدى الله .. ولا صراط إلا صراط الله .. فأي كلام آخر هو ضلال عن الحق بكل معنى الكلمة:

وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام : 153]

لا أدري لماذا يعتقد الناس جميعا أن الجنة والجحيم كونان منفصلان ...!!!
يقول الله العليم  .. عالم الغيب والشهادة:

وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة : 25]

لندقق في هذه النقطة المهمة:
(كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) ...
لا يختلف الرزق في الآخرة عن الرزق في هذه الحياة الدنيا ... طبعا لا أحد يُدرك اليوم ما هو الإختلاف في هذا الرزق ليدرك حقا ما هو المتشابه منه .. ولكن الله يخبرنا بذلك بحسب الآيةالكريمة:
(وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً) ... ويؤكد هذا الفهم بآية أخرى توضِّح تماما هذه الفكرة:

سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد : 21]

ولننتبه إلى التأكيد الإلهي بأن الجنة تَعْرِضْ علينا (بمعنى الإبداء والإظهار .. وليس بمعنى العرض والطول كمساحة) ما تعرضه السماء والأرض ...!!!
أي أن الجنة ستبدو لنا وكأننا على هذه الأرض نفسها .. ولكن الفرق أن ذلك سيكون بعد الموت والقيامة ...

وبعيدا عن شكل الجنة والجحيم ...
ما هو شكل الثواب والعقاب اللذان سننالهما فيهما ...؟؟؟

عندما يخوض المرء أمرا ما .. كدراسة أو عمل أو إختراع أو اكتشاف .. أو أي إنجاز مهم في الحياة

... ما هو الذي يُفْرِح هذا الإنسان المجتهد أكثر ...؟؟؟
المال ... أم إعطاءه مكانته الحقيقية بين الناس ...؟؟؟

المقصود بهذا السؤال فهم حقيقة طبيعة حياتنا الأرضية .. وما يجب أن نسعى له جميعا فيها .. وما يجب أن نتساعد فيه لنملأ حياتنا سعادة ونصرا ونجاحا .. ليكون السلام .. ولتكون جنتنا الأرضية ربطا مع مفهومي القرض وحور العين ...

وجميعا نرى أن كل مجتهد يفرح لنجاحه أكثر من أي قيمة مادية أخرى ...
جائزته هي نجاحه بحد ذاته .. وليس مجرد جائزة مادية لا تعبِّر عن أي شيء حقيقي وعميق ... فتقدير الناس يزيد من فرح الناجح ويشجعه ... ولكن فرحه بنصره ونجاحه لا يقارنه فرح ... فما بالكم بإنجازات يعدنا الله بأن نقوم بها في حياة خالدة مليئة بالإنجازات والنصر والنجاح والإحساس والشغف والحب وكل ما يمتِّعنا اليوم .. مع إضافات النعمة الإلهية كثواب نجنيه ونصر نُجزى به ونجاح ما بعده نجاح ... هذه هي الجنة في القرآن ...

وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة : 25]

إن قوله تعالى:
(جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) ...
يدلنا مباشرة إلى أن الجنات (بالجمع) لن توجد لوحدها دون عمل الجميع لخلقها ...!!!

- فالجري: هو السعي إلى هدف ...
- من تحتها: هو ما يحملها فيرفعها ويسمو بها من مجرد حياة عادية في كون عادي إلى مستوى الجنة الموعودة ...
- الأنهار: هي جمع نهر .. والنَّهر يدل على من يشق طريقه بنفسه .. وبالتالي الجنَّة هي نتيجة الـ ((نهر)) وهو ما يدل بقوة إلى العمل الدؤوب لكل فرد .. فلا جنَّة دون سعادة .. ولا سعادة دون نجاح .. ولا نجاح دون عمل حقيقي يكون فيه الخير عاما نتيجة ((الجنات)) التي يخلقها بعمله كل فرد بذاته .. مما يخلق جنات متناغمة بين الجميع بما كسبوا ...

وأما الجنة التي أخبرونا عنها بكل كسلها وخمولها وأنهار خمرها وعسلها ولبنها وحور عينها ..
والجحيم الذي أخبرونا عنه بكل قسوته ورعبه وساديَّته فهو ليس إلا خيالات وأساطير وأقاويل تنقل جهلا عن جهل ... وها هو الله يخبرنا أكثر عن حقيقة ما وعدنا برحمته:

سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد : 21]

وكما قلنا .. أن ما سنراه في الجنة هو نفس ما رأيناه في هذا الكون .. ولكن الذي يختلف هو قدراتنا فيه .. لأن الله يَعِدُنا أن نمتلك ما يجعلنا أقدر على الإنجاز والإنتصار والنجاح والفرح بشكل شبه مطلق:

وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ [قـ : 19]وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [قـ : 20] وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [قـ : 21]لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [قـ : 22]

وعلينا أن ننتبه أن هذا الخطاب موجَّه للصالح والطالح ... للخيِّر والشرير ...
سينالون معا كشف الغطاء عن البصر ليكون بصرهما حديد .. من بعد نفخة الصور الموعودة ... وهنا سنكتشف حقا ومن خلال كلمات الله وصراطه الهادي المبين أن الجحيم بكل التأكيد ليس نارا يُشْوَى عليها من يحق عليه عذاب الله ...
أليس هذا ما قالته الآيات السابقة ...؟؟؟

لنحاول تحليل وتوضيح الصورة بشكل أكبر ...

نحن اليوم ممن نملك ما يدعى بـ (الضمير) ... ندرك معنى هذه الكلمة .. وهو من يمنعنا عن القيام بالكثير من الأمور التي ندرك بفطرتنا الإنسانية أنها تُبْعِدُنا عن الأخلاق وعن الفعل الصالح ...
وعندما نقوم بفعل نشعر أننا خالفنا فيه الضمير والأخلاق ... ماذا يحدث ...؟؟؟
قد يصل بنا الأمر أن لا نستطيع النوم ... وإذا نمنا .. استيقظنا مذعورين نتيجة تفكيرنا المستمر بما قمنا به ونتيجة محاسبة أنفسنا على ما نراه خروجا عن الإنسانية والأخلاق ...

كإنسانيِّين نرى أن هذا العذاب من أقسى مايكون ...

الله .. الرحمن الرحيم .. لن يكون جحيمه نارا حقيقية كنارنا في حياتنا الدُّنيا نُشوى عليها وفيها وبها بكل القسوة واللا شفقة واللا رحمة ... بل هي النار التي تُمَثِّل ألم الوصول للحقيقة .. والتي سنحترق بنار معرفتها .. هي عذاب الضمير الذي لا يرحم .. وخصوصا من بعد القدرة التي ستُمنح لنا بعد الموت:

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس : 51]

وهذه النفخة هي وعد الله الصادق لكل من يشكِّك بها:

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [قـ : 20]

وهذه النفخة نتيجتها:

لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [قـ : 22]

ويجب أن نقف قليلا عند مفهوم الأجداث .. المرتبط بحسب اللغة بالقبر .. وبحسب ارتباطه باللسان العربي المبين سيشكل فرقا مهما جدا رغم أن المكان واحد ...

القبر: هو المكان الذي يعبِّر للأحياء عن الراحة التي يحصل عليها من مات .. فكلمة (قبر) تُعبِّر عن الغموض والطمأنينة ... فالميِّت لن يكون له هذا المكان إلا (جَدَثاً) .. حيث ينتظر دون أن يدرك أو يعي أي شيء .. يموت .. فيستيقظ يوم القيامة بحسب الآية: (فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ) ..

وذلك بحسب قوله تعالى:

كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً [طه : 99]مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً [طه : 100]خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً [طه : 101]يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً [طه : 102]يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً [طه : 103]نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً [طه : 104]

فهذه الآيات تحدد بشكل واضح لا لبس فيه ولا شك بأن الميت لن يشعر بشيء إطلاقا ... وبالتالي لا عذاب قبر ولا غيره ... ولا من هم يحزنون ...

بينما (القبر) يشكل عبئا وحسرة للأحياء ... فهم يريدون أن يعرفوا ماذا سيحدث من بعده .. ماذا يخفي لهم هذا المكان ...؟؟؟
ولذلك فهو يشكل لهم غموضا قويا .. وطمأنينة مريحة .. بأن من مات قد انتهى من امتحان الدنيا .. وسيذهب إلى المكان الأفضل على الإطلاق ... حيث يلاقي ربَّه ...!!!

ومن قوله تعالى:
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ) ...
نفهم أن قيامة الناس من الموت بأجسامهم وليس بأرواحهم كما يدَّعي البعض .. وكأنهم أعلم من الله ... وذلك بحسب قول الله العليم الحكيم:

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [قـ : 20]وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [قـ : 21]لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [قـ : 22]وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ [قـ : 23] أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [قـ : 24]مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ [قـ : 25]الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ [قـ : 26] قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ [قـ : 27] قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ [قـ : 28]مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ [قـ : 29]

ربما يقول أحدهم: إن الإنسلال من الأجداث ليس بالأجساد بل بالأرواح ...!!!
ومن البديهي أن الله لم يقل في القرآن أبدا بأن الرُّوح تموت .. ولكنه أكَّد وبكل وضوح أن النفس هي التي تموت:

اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر : 42]

وهذا أمر ربما يحتاج في وقت آخر لشرح الفرق بين النفس والروح ... ولن نضيع عن موضوعنا هنا .. ولكن وجب التنويه إلى هذا الأمر لأهميته ...
والنفس ليست حالة منفصلة عن الكينونة الجسدية للمخلوق أكان واعيا أم لا ... وللتأكيد على أن النفس لن توجد في الكون دون جسد يحملها ويحويها ويتحرك بأمر غرائزها .. يقول تعالى:

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس : 7]فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس : 8]

والبيان الإلهي واضح ودون أي شرح أو تفصيل بأن النفس هي حالة الحياة التي تحمل الغريزة ... وبأن الروح تمثل حالة الوعي ... اكتساب المعرفة .. العلم .. تراكم العلم .. الاكتشاف .. الاختراع .. ولذلك .. ومن بعد نفخة الروح .. أصبحنا مسؤولين مُحَاسَبِين .. ولهذا يكمل الله قوله:

قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا [الشمس : 9]وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [الشمس : 10]

ولنعد إلى موضوعنا ... ولنكمل ...
لاحظوا معي قوله: (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) ...
وهذا الكشف حدث بعد نفخ الصور ... وهذا يشمل كل الناس ...
وبما أن نفخة الروح الأولى التي حدثت ضمن القانون .. أدت إلى تحول مجموعة من المخلوقات الحيوانية إلى الإنسانية وأعطتهم قدرات وميزات هائلة .. سندرك أن النفخة الثانية التي ستحدث مع الإنسان .. ستكون أيضا ضمن القانون كما كانت النفخة الأولى .. وهي ما ستعطي هذا الإنسان (الصور) مَقْدِرَات وميِّزات أكثر عُمقا وستجعل بصرنا حديدا .. أي أننا سندرك ما لم نكن نستطيع إدراكه من قبل النفخة الثانية ...

وهنا .. ومن بعد النفخة التي ستفتح وَعْيَنَا وقُدُرَاتَنا أكبر وأكثر ... سنصبح خالدين ...
فالخالد .. هو الذي لن تتغير كينونته عن ما هي عليه ... فالإنسان الجيد سيبقى جيد .. والإنسان السيء سيبقى سيء .. ومن كان بين الاثنين سيبقى على ما هو بكل تأكيد ... وعقابه أنه سيدرك تماما ما أساء به في حياته بكل دقة وتفصيل .. ولن ينسى أي إساءة مهما كانت صغيرة .. وسيرى بنفسه أن الإنسان الجيد قد اكتسب قدرات إضافية تمنحه الكثير من حرية الحركة والمعرفة ..  وهو الشيء الذي دعانا الله للإهتمام به دائما (قبل النفخة الثانية) .. وهو ما يدلنا على ما سنكون عليه (بعد النفخة الثانية) ...

ولكن هناك مفاجأة ... سأتحدث عنها بعد قليل ...


ومن كل ما رأيناه وفهمناه نكتشف أن:

- الناس بأجسامها وليس بأرواحها ستبعث من جديد ...

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس : 51]

- الكون سيبقى كما هو .. ولكن نحن سنراه من خلال قدرات أكبر تجعلنا نتعامل معه بشكل .. مختلف أكثر وعيا وأكثر ثباتا .. والأهم .. أكثر تعاملا مع ضمائرنا التي تُقرِّبنا من إنسانية أكبر وأكثر ثباتا ضد أي شر مهما كان صغيرا ...

لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [قـ : 22]

- جميع الخلق (الذين يمثِّلون الصُّور ولا ندري تحديدا من هم بشكل كامل فالكون واسع كبير .. ولكننا ندرك تماما أننا منهم) .. سيبتعدون عن الشر لاختفاءه تماما .. وسيحل بدلا عنه عذاب (الضمير .. القاسي المؤلم المتعب) .. فمن كان إنسانا صالحا فلن يشعر بهذا العذاب الكبير .. وأما من كان فاسدا شريرا فسيعاني عذابا شديدا محموما بما كسبت يداه .. هذا هو عقاب الله الموصوف بالجحيم ... لأن هذا الجحيم ليس منطقة جغرافية محددة بعيدة عن مكان الجنة ... بل الجحيم والجنة يشكلان مكانا واحدا يجتمع فيه الأخيار والأشرار ليرى كل منهم ما نال الآخر نتيجة عمله ...

سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد : 21]

- الصالحون الحقيقيون .. الذين لم يقوموا بأي عمل سيء في حياتهم .. وهم القلة القليلة من الناس سيتمتعون براحة هائلة .. فلا عذاب ضمير .. ولا شقاء السعي إلى الرزق والسعادة .. بل قدرات مدهشة مذهلة تماثل الفرق الهائل بين قدرات الحيوان وقدرات الإنسان في دنيانا الأرضية هذه ...

وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة : 25]

- الشريرون الأشقياء .. الذين تمثلوا الشيطان بأعمالهم وإساآتهم وأذاهم للناس .. سينالون العذاب الحقيقي من بعد القدرة المضافة لهم .. فعذاب الضمير سيضمن لهم حياة خالدة شقية تعيسة .. فالسيئون الأشرار الذين ابتعدوا عن تعاليم الله سيشعرون بالعجز .. فعذاب ضميرهم من جهة .. وتعاظم سعيهم وشقاءهم في بحثهم عن الرزق والسعادة سيشكل عجزا أكبر .. وخصوصا مع ما يرون بالمقابل ما ناله الذين آمنوا .. والهناء والسعادة والقدرات الأكبر التي يتمتعون فيها .. فلا يتمتعون ولا ينجحون ولا ينتصرون ولا ينالون أي نصيب من السعادة .. فقط .. يتعذبون بما كسبوا ...

وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ [الأنعام : 70]

وأيضا ...

وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [يونس : 27]

هذا العذاب أقسى بملايين المرات من عذاب النار الإصطلاحي الدنيوي ... وبنفس الوقت هو عذاب لا قسوة فيه .. وفيه من الرحمة الشيء الكثير باعتبار أن لا عذاب جسدي .. أو حتى نفسي يطبقه الله على الناس دون أي شفقة .. فعذاب الضمير نابع عن أفعال الناس أنفسهم .. وليس عذابا إلهيا يطبقه الله بقدرته على خلقه المذنب ... فكلما قلت ذنوب الناس قل عذابهم ... وهم خَلَقُوا عذاباتهم بأنفسهم جراء أفعالهم وأعمالهم المنافية لكل قيم الإنسانية والأخلاق الإنسانية ...!!!

أما ما يفاجؤنا حقا ... فهو قوله تعالى:

وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً [مريم : 71]

أي أن كل إنسان سيخوض في عذاب الجحيم بحسب الشر الذي أقامه وقدمه في حياته .. كثرته وشدته وقوته وآثاره .. وذلك باعتبار أن عذاب الضمير هو قانون سيقع على الجميع دون أي تمييز ودون أي تفريق .. فكما قلنا سابقا .. نفخة الروح الأولى هي من ضمن القانون .. وكذلك لا بد أن النفخة الثانية هي من ضمن القانون .. ولذلك بقيت الجنة بشكلها الذي أخبرنا الله أنها ستكون شكل كوننا الحالي .. وكذلك .. أخبرنا الله ضمنا .. أن الأشرار ستكون عذاباتهم في هذا الكون أيضا .. ولكن قدراتهم ستكون مختلفة ومغايرة لقدرات الأخيار .. وما سيجمع بينهم فقط هو عذاب الضمير .. القانون الذي سيختبره كل إنسان ...

ولكن الله الرحمن الرحيم .. سيعفي أصحاب اللمم من الخلود في الشقاء والعذاب ...

ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً [مريم : 72]

من الأكيد أن مفهوم الجنة والجحيم بحاجة لكثير من البحث عن أدق التفاصيل .. وبحاجة لكثير من الغوص في الآيات بحثا عن كل ما يوضح حقيقة ما سيحدث معنا في الحياة الآخرة .. وهذا شيء من الأهمية بمكان .. حتى يعلم الناس حقا أين يمضون وماذا سيحل بهم .. ولكن بعيدا عن الخرافات والدجل الذي أخَذَنَا بعيدا عن كل ما يريد الله أن يوصلنا إليه ... وأوصلنا إلى ما نحن فيه من جهل وسوء حال ...

فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [آل عمران : 25]ن

هكذا أرى الأمور من وجهة نظري ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق