الأربعاء، 16 يوليو 2014

من المتحدث في القرآن ... ومن هم الملأ الأعلى ...؟؟؟

+Bassim Morali


لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ [الصافات : 8]

مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ [صـ : 69]

الملأ الأعلى ... بحسب ما وَصَلْنَا إليه من علم حالي معاصر ... هم:

- اللوح المحفوظ: هو الطاقة الكونية التي وضع الله فيها كل ما شاءه من علم مطلق مرتبط بهذا الكون ...
وأطلق الله صفة (اللوح) لأنه معروض لكل من يلتفت إليه ليقرأ ما فيه من علم .. كلوح المدرسة الذي لا ينظر إليه بكل جدية ودقة إلا الطالب المجتهد .. بينما هو موجود للجميع ...

- ميكال: وهو علم الله المجموع والموضوع في اللوح المحفوظ ...

- جبريل: وهو القانون الموجود في الكون الذي يعطي الإنسان القدرة والوسيلة للتواصل مع اللوح المحفوظ ليأخذ من ميكال ما يستطيع من علم الله ... ولا أحد يستطيع أن يحدد كمية العلوم التي حصل عليها الناس فعلا من هذا العلم الإلهي الكوني من خلال الرسائل المنزلة ...
والرسائل كلها ... تعبر عن معنى جبريل .. لأنه العلم الذي وصل للناس من ميكال اللوح المحفوظ ...

- أما الرَّب: هو (اسم صفة عمل) من أسماء الله الحسنى ... وله دوره في الكون ...
ودور الرَّب في الكون يحدده الله بنفسه في قوله:

إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ [آل عمران : 51]

الآية تعبر بشكل واضح عن وجود الله المطلق في الكون النسبي من خلال صفته (الرَّب) ...
وهو ليس وجودا شخصيا .. وإنما هي مشيئته التي تكرس ربوبيته وألوهيته لهذا الكون:

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة : 117]

من الجيد أن نلاحظ أن الخطاب موجه إلى الله .. وبما أن القرآن لا يعبر عن أقوال لفظية بل أعمال حقيقية مشهودة لا ألفاظ فيها .. فقد قال هذا الإنسان المؤمن لله من خلال تعامله مع الكون وقوانينه التي عبر عنها بقوله:
(أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) ... ومن المهم غاية الأهمية أن نربط (نُرتِّل) الآيات لنفهم أن الآية الأولى حدَّدت أن التعامل مع الله يكون من خلال الرَّب .. وهي القوانين بشكل عام التي يمثلها قول الله:

(إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ)

فالصراط المستقيم هو كل ما يرتبط بالعلم بكل أنواعه المادية والفكرية ...
فالأخلاق ليست مجرد حالات لفظية .. وإنما أعمال مع الخلق والمحيط بشكل منطقي قائم على علوم نتعلَّمها في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والفلك .. والفلسفة وعلم النفس والتاريخ والجغرافيا وغيرها من العلوم التطبيقية ...
كل هذا يمثل (الرَّب) ... وهذا من (اسم صفة عمل) الله المطلق ... وليس كل الله المطلق فله كل الأسماء الحسنى التي (بكلِّيَّتها) لا تمثِّل الله المطلق .. ولكن تمثِّله بما يتناسب مع المُطلق الكوني .. والذي هو نسبي بالنسبة لله المطلق ...

وبالتالي ...
خَلَقَ الله الكون ... بمادته وقوانينه وطاقته ...
القوانين هي من يتواصل معها الناس ليمتلكوا علما أكبر .. ما يؤدي إلى معرفة أوسع ...
القوانين هي من يتواصل مع الناس ليبلِّغوا رسائل الله إلى الناس (ضمن الكون) .. إذا نتعامل مع (الرب) الذي هو ضمن الكون .. وهو بشكل قوانين لا تخرج عن ما كرسه الله من مشيئة .. لأن الله المطلق خارج الكون ولا يتدخل فيه ...
إذا ...
الوحي (اللوح المحفوظ وميكال وجبريل) هي قواني تتكلَّم باسم الله المطلق .. وهي الرَّب الكوني ...
أي أنهم يتحدثون عن الله بالغائب لأنه ليس موجودا معهم وبينهم ... ويتحدثون عن أنفسهم بأنهم مَن يقولون ويفعلون ويعذِّبون ويساعدون ... (باسم الله) لأنها مشيئته ولا خروج عنها ...

القرآن كله بلسان مجموعة ... إلا الآيات التي تفاجؤنا بخطاب الله المباشر لسببين:
1 -  إما بسرد لقصة من الملأ الأعلى .. مثل:

وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى [طه : 9]إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى [طه : 10]فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى [طه : 11]

الخطاب هنا للملأ الأعلى .. والآيات تسرد قصة موسى بلسانهم .. والدليل قولهم (قال):

إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [طه : 12]وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى [طه : 13]إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه : 14]إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [طه : 15]فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [طه : 16]وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى [طه : 17]

نلاحظ أن الآيات الماضية تتبع سرد القصة الذي بدأ بالقول: (نُودِي يَا مُوسَى) .. ثم يكمل المتحدث:

قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى [طه : 18]

ونلاحظ أن الله ما يزال يقول بناء على سرد القصة .. وليس على تدخل مباشر في النص القرآني:

قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى [طه : 19]

يعود المتحدث ليكمل سرده لقصته فيقول عن موسى بصفته غائبا:

فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى [طه : 20]

قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى [طه : 21]وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى [طه : 22]لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى [طه : 23]

إذا المتحدث (الملأ الأعلى) هو ما زال المتحدث في القرآن ... ولم يتدخل الله بنفسه أبدا ...!!!

2 - أو بتدخل مفاجئ منعا للاختلاط على القارئ .. بأن الله هو الأول والآخر في الكون كله .. ولا خروج عن مشيئته وما كرسه فيه من خلال صفته (رب العالمين) ...

الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة : 2]

وكمثال على هذا الأمر قوله تعالى:

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة : 186]

وهي آية أتت بين موضوعين مختلفين .. ولا علاقة لها إلا أن تثبت أن هذه الأوامر والوصايا كغيرها من آيات القرآن تعود إلى الله الواحد الأحد الذي لا شريك له ...

من يتحدَّث في القرآن هو الذي يُقْسِم وليس الله:

فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ [الحاقة : 38]وَمَا لَا تُبْصِرُونَ [الحاقة : 39]إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة : 40]وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ [الحاقة : 41]وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ [الحاقة : 42]تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ [الحاقة : 43]

إن من يُقْسِم في هذه الآيات ليس الله .. بدليل أنه يحدِّد في الآية الآخيرة بقوله: (تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) .. أنه يتحدث عن رب العالمين بصيغة الغائب ... ولو كان الله هو من يتحدث في هذه الآيات وهو من يقسم لما ذكر نفسه بصيغة الغائب ...
وربما يقول أحدهم: إن صيغة رب العالمين .. يجوز أن يقولها الله عن نفسه ... ليجيبه الله بقوله:

فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ [المعارج : 40]

وهو هنا يقسم برب المشارق والمغارب الذي هو الله بـ (اسم صفة عمل) الرَّب الكوني الذي كرَّس الله مشيئته من خلال هذه الصفة الكونية ... ومن غير المعقول أن يقسم الله بهذه الطريقة ليبدو وكأن به انفصاما في الشخصية ... حاشاه من ضيق أفقنا وضعف بصيرتنا ...
وقوله في القرآن:

فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [الواقعة : 75]وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [الواقعة : 76]

يأتي قبله تماما .. وفي الآية التي تسبقه مباشرة:

فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة : 74]

ولو كان الله هو من يتحدث لقال:
(فَسَبِّحْ بِاسْمِيَ الْعَظِيمِ [الواقعة : 74]

ومن كل ما توصلنا إليه عبر ترتيل الآيات .. توصلنا إلى أن الله يخاطبنا مباشرة في القرآن .. ولكن بصفته رب العالمين (القوانين وتكريس المشيئة الإلهية ضمن الكون) .. وليس بصفته الله المطلق .. والدليل أنه يتحدث إلى الناس بهذه الطريقة الواثقة المُطلقة .. ألم يقل أنه خلق كل شيء فقدَّره تقديرا ..؟؟

الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [الفرقان : 2]

أي أنه عندما استوى على العرش لم يتدخل من بعد ذلك في هذا الكون أبدا:

إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ [يونس : 3]

وقد يظن الكثيرون أن قوله: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ) .. يدل على تدخله المباشر .. ولكن ذلك ليس بصحيح .. فالله ينفي هذا بقوله:

قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ [يونس : 31]

فهذه الآية تخبرنا عن كل ما يحدث في الكون من خلال حركة القوانين وسيرورة الكون .. والتي هي أصلا مشيئة الله بتكريس ربوبيته .. فأي تدخل من الله المطلق في الكون وسيرورته فهو تبديل لكلمات الله التي نفاها كثيرا وبقوة .. ويؤكد ذلك بقوله:

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام : 115]

وأي تدُّخل من الله سيلغي تماما ونهائيا استواء الله على عرشه بـ (اسم صفة عمل) الرَّب .. الذي هو كل هذا الكون بكل ما فيه .. وذلك سيكون حقا وفعلا إلغاء لمفهوم الربوبية التي يخاطبنا الله من خلالها:

إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف : 54]

من استوى عل العرش ... الله أم الرب ...؟؟؟
هذه الآية تشرح لقارئها أن الله خَلَقَ .. ثم استوى على عرشه .. ثم فرض سلطته وأمره على الكون كله باسمه (رب العالمين) الذي لا انفصال فيه أبدا عن الله المطلق ...

هذه الآيات القاطعة (على الأقل من وجهة نظري) .. تثبت أن الله ليس مضطرا أن يُقْسِم لأحد .. ولا أن يتحدَّث عن نفسه بصيغة الغائب .. ولا أن يتدخَّل في الكون ليُغيِّر ويُبَدِّل كلماته وكأنه اكتشف خطأ ما في خلقه .. فيتخلى عن استواءه على عرشه ليتدخَّل ويُصْلِح ويصحِّح ما أخطأ فيه .. ثم يعود إلى استواءه الغير ناجح .. ليعود مرة أخرى ليتدخل في أمر آخر غير صحيح فيصلحه .. وهكذا ...
أهذا هو الله الذي خلق ما نراه من الكون بأعيننا بعيدا عن النقل والعنعنة ... هذا الخلق المبدع المذهل ... أين يذهب إيماننا عندما نفكِّر بالله هكذا تفكير يحوِّل الله من إله قادر قدير .. إلى إنسان يُخطئ ويجتهد ليصلح خطأه .. بل ويكذب علينا فينسب لنفسه ما ليس فيه من القدرة والقوَّة .. حاشا لله من ما نلصقه به نتيجة تفكيرنا العاجز وبصيرتنا المعدومة ...

والمُخَاطَبْ ... هو دائما الإنسان ... قارئ هذا النص العظيم ...

هل هناك شك .............؟؟؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق