الخميس، 3 يوليو 2014

من هو الجن الذي فسق عن أمر ربه ...؟؟؟

+Bassim Morali

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً [الكهف : 50]

إن قوله تعالى في الآية السابقة يحدد لنا تماما خبرا علميا مهما جدا ... قامت حوله الكثير من النقاشات والكثير الكثير من الأسئلة ... والأهم الكثير من الخرافات ...
ما هي الروح .. وما هي حقيقتها وماهيتها ...؟؟؟

الله يقول في الآية الكريمة: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) ...
أولا نسأل من هم الملائكة ...؟؟؟

ولغويا .. الملائكة من الجذر (ملك): وهو يدل على الصحة والقوة في الشيء ...
وكل شيء فيه صحة لا تتغير ولا تتبدل .. وقوة لا تواجهها أي قوة ... هو ملك ...

وبناء عليه فالملك الذي يعتبر حاكما لبلد ما لن يكون ملكا حتى يكون حكمه مليئا بالعلم والحكمة والصحة ... ويقيم الحق والعدل ويحميهما بكل القوة التي لا يستطيع أن يواجهها
ويقاومها الشرار والشياطين الذين يريدون ويسعون إلى فساد الناس وإفسادهم ...

وهنالك الله الملك ... الذي أقام مملكته بالحق والعدل والقسط والرحمة ... وأقامها بكل إبداع وجمال وعلم وحكمة ... وشتان ما بين الله الملك .. والإنسان الملك ...

والملائكة .. هم أيضا ممن يتمتعون بصفات الصحة والقوة ... ولكن كتصريف لغوي ما الفرق بين الملك والملاك ...؟؟؟
- المَلِكْ : على وزن فَعِلْ ... على نحو: قوي .. غني .. هني .. شجي .. طري ...
هي صفة مطلقة من خصائص الموصوف لا تخرج عنه ... ولذلك الحاكم الغبي الغير جدير بالملك لا يوصف ولا يسمى بالمَلِك ... بل وتكون كل أفعاله وأقواله خارجة عن العلم والحكمة والمنطق والعدل والحق ما يجبر الناس على الخروج عليه ...

- المَلَاك : على وزن فَعَال ... على نحو: جَمَال .. خَيَال .. حَلَال .. شَمَال ...
وهو اسم مطلق لصفة يتكوَّن منها المُتَحدَّث عنه .. ولا يخرج عنها أبدا ...
والملائكة : صيغة جمع .. وهي مؤنث كلمة ملائك .. على وزن فعائل ... على نحو: خَلائِق (من خَلَقَ) .. فَضَائِل (من فَضَلَ) .. فَصَائِل (من فَصَلَ) ... خَمَائِل (من خَمَلَ) ... دَوَائِر (من دَوَرَ) ...

وما يهمنا هو وزن (فَعَال) .. ملاك .. الذي يقودنا إلى أن تكوين الملاك هو من أساس مفهوم الصحة والقوة التي تحدثنا عنها ... ودائما ... هو فعل بحد ذاته ...

وعندما نسأل القرآن .. من هم الملائكة ...؟؟؟

مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ [الحجر : 8]

الحق مرتبط دائما بالملائكة .. وهذا فهمناه من أصل الكلمة ... ولكن قوله: (مُّنظَرِينَ) يلفت النظر بقوة ... إلى أنهم من الأشياء التي تُرَى ... أي أننا نستطيع أن نتعامل معها كبشر دون اللجوء إلى الشعوذات للتعامل معها بحسب ما فرض علينا من مفهوم .. وبالتالي هي ليست مخلوقات خفية ...!!!
يا إلهي ... كل تلك السنين ... بماذا كنَّا نؤمن ...؟؟؟
إن الله الحق يخبرنا ويُعْلِمُنَا ويُعَلِّمُنَا ... أنهم لو كانوا مخفيين لما كانوا من الحق في شيء على الإطلاق ... وهذا شيء يهدينا بكل التأكيد إلى قوله تعالى:

تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ [القدر : 4]

نحن لازلنا نحاول فهم الآية الأولى التي ذكرناها بداية ... ولكن من الطبيعي أن نقف عند كل آية تشارك في شرح آيات وكلمات القرآن لنا ... وهذا هو الترتيل الذي قام به الله ودعانا إلى القيام به .. وهو ما يجب أن نقوم به بناء على الأمر الإلهي:

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان : 32]

أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزّمِّل : 4]

إذا .. يقول الله: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ) ... ونحن ندرك تماما أن التنزيل هو بداية ما حدث أثناء الخلق الأول للكون ... لحظة إبداعه ... لحظة تكوينه البدئي ... الذي كان بحسب النظريات العلمية المادة الأولى التي خلقها الله وكانت تتضمن كل ما سيتبدى من أشكال للوجود ... وهذه المادة الأولى ... ما هي ...؟؟؟

- العلم يقول: إنها الذرة ... الوحدة الولى لشكل المادة ... وتتألف من نواة وبروتونات موجبة .. وألكترونات سالبة .. ونترونات محايدة ... والنواة أيضا تتشكل من بروتونات موجبة ونترونات محايدة ... وهي غاية في الصِغَر ... تنتج طاقة مستمرة تتحرك دون توقف وبسرعات خيالية ما يؤدي إلى تحولها من مادة إلى طاقة وبالعكس ايضا دون توقف ... وهذا ما يؤدي إلى إنتاج طاقة هائلة موجود باستمرار وأيضا دون توقف ...!!!

وبحسب قول العلماء: (وقد نعتقد أن مثل هذا الجسيم الصغير ليس له أي مغزى في حياة المرء ومع ذلك، فإن هذه الجسيمات التي تعد من الصغر بمكان بحيث لا يمكن للعقل البشري أن يدركها هي التي تشكل أساس كل شيء نراه حولنا.)

- والقرآن يقول مؤكدا المقولة العلمية الهائلة الأهمية:

وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [يونس : 61]

لقد حدد الله قبل 1400 سنة أن الذرة هي الوحدة الأساسية للكون ... وأنها تتألف من جزيئات أصغر ... وهذا تماما هو معنى قوله:

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الجمعة : 1]

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التغابن : 1]

والتسبيح من الجذر سبح: يدل على معنى الجري إلى هدف محدد .. وطبعا الجري ليس الركض ... لأن معظم الناس يجرون إلى رزقهم وهم يجلسون إلى مكاتب ...
إذا .. فالتسبيح هو ما حركه الله ... يجري إلى هدف محدد ... وبحسب أرضيتنا المعرفية نفهم أن هذا الهدف: هو تكامل الخلق .. وتكامل الإبداع فيه .. وتناغم في كل الموجودات بشكل تآلفي رائع ساحر ...

ومن كل ما قلناه ... نفهم أن التنزيل للملائكة ... يدلنا على معنى علمي لا نستطيع أن نخرج عنه أو نتجاوزه ... وهو أن الذرة  ونتيجة لتركيبتها الهائلة الإبداع يوجد ضمنها القانون .. فكتلة البروتونات الموجبة والنترونات المحايدة وحركتهما الهائلة السرعة تؤدي إلى حمل هذه الذرة كل القوانين الكونية كافة .. وبكل تنوعها ... وهذه السرعة الهائلة تنتج طاقة غير منقطعة ... وهذا التركيب الفريد العجيب للذرة يجعلها تمثل حقا مقولة الملاك القرآنية ... هذا المخلوق النوراني ... المطيع لربه ... الذي لا يعصي له أمرا أبدا ..
وهذا الربط القرآني بين آيات القرآن والمنطق العلمي يدل بقوة على ذهبنا إليه:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة : 30]

وعلينا أن ندقق جيدا بقوله تعالى: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) ...!!!
أليس هذا الترتيل يوضح جدا ما توصلنا إليه ...؟؟؟
أليس تسبيح كل شيء في الكون مرتبط بتسبيح الملائكة المذكور في هذه الآية ...؟؟؟

إن القرآن يخبرنا بكل ما له من علم أن ملائكته هي قوانينه الفاعلة في الكون ...
وهذه القوانين مرتبطة بالمادة بكل التأكيد ولا خروج عنها أبدا ... وكذلك ترتبط بهما الطاقة التي أثبت العلم أنها تحيط بكل موجودات الكون ... عدا عن الطاقة الهائلة الموجودة بما أطلقوا عليه صفة الفراغ ... وهناك الكثير من المقالات عن الطاقة والمادة والفراغ لمن يحب أن يزداد علما في هذه الأمور ...

إذا توصلنا إلى معلومات مهمة جدا بحيث علمنا بالدليل المنطقي العلمي المقنع .. أن الملائكة هي قوانين الله .. وبالتالي عندما قال لها الله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا) ... بما أن القرآن رسالة الله للناس .. ماذا قصد الله بهذا الخبر العلمي ...؟؟؟
برأيي ومن وجهة نظري .. أن الله يخبرنا أن القوانين في الكون هي منظورة لنا .. وليست خافية علينا .. وبالتالي .. نستطيع أن نتعامل معها بكل سهولة ... وعندما طلب منها أن تسجد لآدم (الرمز القرآني لكل مخلوق يمتلك الوعي الذي هو نتيجة نفخة الروح) .. فالله يخبرنا أن هذه القوانين تزيد من معرفتنا لهذا الكون عن طريق العلم ... وهو علم يزيد ويتراكم كلما تعاملنا مع هذه القوانين (الملائكة) لتزيد من خبرتنا في الحياة ...
ولقد قال الله محددا هذا الخبر المليء علما وحكمة بقوله:

تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ [القدر : 4]

إن هذه الآية تخبرنا أن هذه الملائكة (القوانين) خلقها الله بدءا تحمل علما يستطيع الإنسان أن يصل إليه ويتعامل معه ... من خلال نفخة الروح ...
فما هي نفخة الروح إذا ...؟؟؟

الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ [السجدة : 7]ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ [السجدة : 8]ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ [السجدة : 9]

لندقق في هذه الآية ...
(وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ) ... وقد تكلمنا مطولا عن هذا الخلق ...

(ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ) ...
- ثُمَّ : يفيد لغويا إلى الترتيب دون تحديد زمن ...
- جَعَلَ : تغيير في كينونة الشيء ... أقول: صنعت طاولة من خشب ... بقي الخشب خشبا لم يتغير ... ولكن عندما أقول: جعلت الخشب رمادا .. فقد تغيرت مادة الخشب إلى شيء آخر ... ولم يعد الخشب خشبا ... وهذا ما دلت عليه الآية في تغيير الكينونة للطين الذي بُدِأ منه خلق الإنسان ...
- نَسْلَهُ : تدل هذه الكلمة مباشرة إلى أن هذا المخلوق الذي تتغير كينونته بشكل مستمر حي يتكاثر .. فالنسل: هو ما يدل على شيء يُنْسَل من شيء قبله ... وهو المقصود بكلمة تناسل ... أي التوالد من بعضهم البعض ...
- سُلَالَةٍ : تدل مباشرة على معنى حلقات التشكل والتنوع في الخلق ... فكل حلقة من هذه السلالة (الواحدة) تدل على نوع ما من الخلق .. نُسِلَ من ما قبله ... وسَيُنْسَل منه خلقا آخر من بعده ...
- مَّاء : من الجذر (موه) ... وهو جذر لغوي صحيح وهو يدل على الشيء لا نستطيع تحديد ملامحه .. وهو يخبرنا أنه من المستحيل أن نحدد نقطة واضحة جلية تدلنا متى تتم طفرة ما .. في مخلوق ما .. ليتحول إلى مخلوق آخر ... هو أمر عصي على العلم الذي ربما يستطيع أن ينسب مخلوقا لما قبله ... ولكنه لن يستطيع أن يحدد أين تم خذا التغيير ... وهي النقطة التي يقف عندها العلم عاجزا ... وهذا ما تخبرنا به الآية بكل الوضوح والعلم ... على الأقل حتى يثبت العكس ...
- مَّهِينٍ : بمعنى الأقل قيمة من الإنسانية ... أي أن كل هذه التحولات والتبدلات في الخلق وما زلنا في عالم الحيوانية ... وهنا تأتي الآية التالية:

(ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ)

- ثُمَّ : تفيد الترتيب دون تحديد زمن ...
- سَوَّاهُ : ونقول : شيء سَويّ: أي قويم صحيح لا عيب فيه ... ونقول أيضا: سوي الشيء: أي نضج واختمر وصار تاما ... وهذا هو المعنى الذي يريد الله أن يقوله لنا ... وهو أن الإنسان ليكون تاما قويما صحيحا ناضجا لا يجب أن يكون كالحيوانات يتحرك من خلال غريزته فقط ... بل يتمتع بقدرات فائقة جسديا يستطيع من خلالها أن يتأقلم مع أي وضع يكون فيه ... ويستطيع أن يتكيف مع أي عمل أو بيئة يعيش فيها ... ولكن ... وهنا الشرط الهام ... لن يكون هذا السواء فعالا دون القدرة على التعلم ... والتعلم لن يكون ولن يحدث دون وعي ... وهنا يقول الله:
- وَنَفَخَ : النفخ: هو تكبير الشيء وإعطاءه سِعَةً إفتراضية ليتسع كل ما يعطى ويقدم له دون أن يؤثر ذلك على شكله أو على حجمه ...!!!
وهذا ما يحثنا على السؤال ... ما هذا النفخ ... وكيف حدث .. وما هي ماهيته ...؟؟؟
وتجيبنا الكلمات التالية بكل القوة والوضوح والعلم ...
- فِيهِ مِن رُّوحِهِ : أي أن كان في هذا المخلوق ... ومن روح الله ...
ولنفهم ما معنى : (من روح الله) علينا أن نفهم أولا ما هي الروح ...؟؟؟
ويقول تعالى بكل جلاء وتبيان شارحا حقيقة الروح:
- وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ : لقد شرح لنا الله أن نفخة الروح هي بحقيقتها (السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) .. أي أدوات المعرفة .. الوسائل التي نستطيع من خلالها الحصول على معلومات عن كل ما يحيط بنا (السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ) ... ومن ثم نستطيع أن نحلل هذه المعلومات بدقة لنفهمها .. وبالتالي نستطيع التعامل معها بشكل صحيح (الْأَفْئِدَةَ) ... إذا هذه هي نفخة الروح التي عجز الناس على مدى قرون عن وصف حقيقتها وماهيتها ومما تتشكل ...
وقد أنهى الله آيته المليئة بالعلم بقوله:
- قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ : إن الناس عندما تريد أن تشكر الله ترفع يديها إلى مستوى صدرها .. وتنظر إلى السماء والدموع تملأ الأعين .. والقلوب مليئة بالخشوع .. وتقول: لك الشكر يا ألله على نعمك ...!!!
أهذا هو ما الله بحاجة إليه وهو الغني عن العالمين ...!!!؟؟؟
إن شكر الله الحقيقي الذي نحن بحاجة إليه بحق .. هو أن نستخدم نفخة الروح .. التي هي الوعي الذي يميزنا عن الحيوانات ... الذي هو قدرتنا على العلم والمعرفة والحكمة والاكتشاف والاختراع وكل ما يمت بصلة إلى مفهوم الوعي ... بشكل صحيح وسليم وحقيقي بعيدا عن الوهم والخرافة والدجل والشعوذة والأسطورة ... عندها سنكون من الشاكرين لله حقا وفعلا ... فهل نحن من مؤمنين حقا لنشكر الله بحق ...؟؟؟

من بعد هذه النفخة الإلهية .. التي هي ضمن القانون الذي يتحرك بناء على قوانين الكون وما سبحه الله فيه ومن خلاله ودون اي تدخل مباشر من الله ...  لأنه قال:

إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف : 54]

وقوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) .. يؤكد أن عرش الله الذي هو الكون بكامل ما يحويه يسبح لله أي يتحرك من خلال مشيئة الله السابقة لهذا الخلق ... فكل ما يتبدى من مظاهر الوجود هي تتشكل من ضمن المادة الأولى التي هي الذرة .. ولو لم يكن الله قد ضمن مادته الأولى هذه القدرة على التشكل لما وجدت هذه التبديات أصلا .. ومن الأكيد أنها من المستحيل أن تفاجئ الله في ظهورها ... وكأن الكون خرج عن مشيئة الله ... ولذلك قال موضحا هذه النقطة لكل من يشكك:

الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [الفرقان : 2]

وقوله تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) .. يدل بقوة أن الله قدر الأشياء كلها .. شكلها .. كيفية وجودها .. حركتها .. كل ما يخصها .. دون أن يتدخل في هذا الخلق بشكل مباشر .. وإلا لكان التغى هذا التقدير .. الذي يدل بقوة على بعد المُقَدِّر عن المُقَدَّر زمانيا ومكانيا ... وبحسب قولنا: قدرت المسافة .. أي أنني لم أقس هذه المسافة بشكل حقيقي من خلال أدوات القياس ... ولله المثل الأعلى ... فقدرته على التقدير لا تساوي ولا توازي قدرة الإنسان على التقدير ...

إذا .. فقد استوى على العرش .. وبحسب الآية التالية .. (يدبر الأمر):

إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ [يونس : 3]

وكلمة (دَبَّرَ) لا تدل أبدا على معنى مباشرة الفعل بنفسه ... ولكن التدبير في اللغة هو أن لكل شيء سبب وظروف لؤدي لحدوث الشياء والأفعال ... لولا الجاذبية لكنا تهنا في الفضاء ... ولولا الجاذبية لما كان هناك غلاف جوي أصلا .. وبالتالي لما كان هناك حياة أصلا ... هذا هو التدبير ... وقوله تعالى:

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ [البقرة : 117]

هو حقيقة ليخبرنا بقدرته على إيجاد هذا الكون .. فلولا هذه القدرة ربما لما كان الكون بهذا الشكل وهذه الروعة ... وهذه الآية لا تدل أبدا على تدخل الله ليخلق أي شيء في الكون لم يكن موجودا من قبل .. كأن تتكون الأرض لا قمر لها .. فيكتشف الله خللا في ذلك .. فيتدخل ليصحح هذا الخلل ويخلق القمر ليقوم بدوره ... هذا من المستحيل لعدة أسباب:
أولا: لأن الله تقديره خاطئ ...
ثانيا: الله يخطئ ومن ثم يكتشف هذا الخطأ .. ومن ثم يصححه ...
أي أن الله لا يكتشف أخطائه إلا من بعد خلقه للكون بزمن طويل ...
ثالثا: هذا الإله المخطئ قد يقوم بأخطاء كثيرة في كثير من الأمور .. ما يؤدي إلى تضارب وعدم تآلف وتناغم في الكون يسبب إنهيارا كبيرا في الكون دون أي مبرر منطقي .. فقط لأن الله العاجز لم يستطيع أن يستوي على عرشه ...
رابعا: سيكون الله كمن يدعي ما ليس بقدرته ... (حاشا لله) ...
ولهذا قال العليم الخبير:

هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد : 4]

ولو كان الله هو الذي يتدخل في كل أمر كما يزعم الزاعمون المبطلون .. لما حدد لنا الله نفي ذلك بكل وضوح من خلال قوله:
( يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) ...
هو يعلم ما يحدث .. ولو تدخل مباشرة لبطل العلم ... فهو الفاعل أصلا ... وهذا تناقض عقلي منطقي يبطل زعم الله (حاشا لله) بأنه قدر كل شيء واستوى على العرش .. وهنا سنجد في القرآن اسما لله يربكنا .. ويجعلنا نستغرب بشدة:

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الحشر : 23]

لقد عرَّفنا وعَرَفْنَا من هو الله الملك ...
والقدوس: هو من يقدس الأشياء .. والتقديس: هو يعطي كل الأشياء قيمتها التي ومن خلالها نتعامل معها ... كالماء (الشراب) مثلا: نحن نقدس الماء لأن الله جعلها سببا للحياة ... هذه قيمتها .. وأي مكان يخلو من الماء هو مكان يخلو من الحياة ...

والسلام: هو الاسم المطلق للسلم .. وبما أن هذا الاسم لله .. فهو من يحقق السلام وينشره في الكون كله .. فلا تناقض ولا تعارض في الكون بأي شكل كان ... وكل ما فيه يتكامل وبتناغم ويتآلف بشكل رائع مذهل ... والإسلام دين الله .. لنكون كخلفاء له من ناشري السلام على الأرض بين الناس ...

وهنا نصل إلى الاسم المربك الذي ربما لم يواجهه أحد من قبل:
المؤمن: كيف يمكن لله أن يكون مؤمنا ...؟؟؟
الله خلق المادة الأولى المتضمنة القانون والطاقة ... واستوى على العرش ...
ولم يعد يتدخل في الخلق ... فتتحرك المادة بتأثير القانون لتتبدى بمختلف تجلياتها المنظورة في الكون كله ... ومنها نحن كبشر نمتلك الوعي ...
كل هذه الحركة التي حركها القانون لهدفها (سبحها الله) هي مشيئة الله في خلقه ..
وكل موجود في الكون وكل حركة وكل شيء زال أو موجود أو سيوجد .. هو في علم الله الضمني ... وعندما يوجد شيء لم يكن موجودا من قبل فإن الله لا يحدد له وقت وكيفية وجوده .. وإنما القانون وحركة المادة هي التي تحدد هذه الأمور ..  والله يؤمن مسبقا أنه سيوجد لأنه لم يتدخل لإيجاده .. ولو تدخل الله لإيجاد هذا الشيء فسيبطل هذا الإيمان الإلهي (حاشا لله) ... وبهذا فالله يؤمن أن ما شاءه سيكون رغم استواءه على العرش وعدم تدخله المباشر لأي حركة في الكون ...
أهناك أكبر من هذا الدليل على عدم تدخل الله في الكون ...؟؟؟
ومن هذا ... فإن الله لا يتدخل في حرية الناس ولا يجبرهم على شيء ... ولهذا يخبرنا في الآية التالية هذه الحقيقة:

وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس : 19]

وبالتالي .. فإن من يغتني من الناس بشكل غير منطقي فهو لم يغتني لأن الله قدر له رزقه الحلال ... ولأن هذا من فضل ربه ... إنما هو سارق مجرم يستغل الناس ويأخذ منهم ما هو من حقهم دون أي وجه حق ...
وبالتالي .. من يستولي على سلطة من غير حق فهو ليس من أمر الله ومشيئته ... إنما هو مجرم يريد أن يسيطر على مقدرات شعب كامل لحسابه الخاص ...

ومن بعد كل هذا .. يجدر بنا أن نعود إلى الآية الأولى التي ابتدأنا بها كل هذه الدراسة الطويلة ... وهي:

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً [الكهف : 50]

سنفهم فورا ودون أي شك:
وإذ قال الله لقوانين الكون .. أطيعوا وانقلوا العلم والمعرفة لهذا المخلوق الواعي ... الذي دعوته بالإنسان ... فتقول القوانين: نحن في خدمة الإنسان طالما سعى لمعرفة ما نحمل من علم ومعرفة ... ولكن إبليس يرفض ...!!!
من هذا الإبليس اللعين ...؟؟؟
بما أن الله خاطب القوانين في الكون .. فبالتأكيد إن هذا الإبليس من ضمن هذه القوانين الكونية التي لن تخرج عن مشيئة الله ... ولكن كيف لهذا القانون أن يعصى الله ولا يطيعه في الرضوخ والطاعة ونقل المعرفة للإنسان ...؟؟؟
لقد وصف الله لنا هذا الإبليس بأنه كان من الجن ... وقد علمنا من قبل أن الجن هي صفة للأفضل من بين الأشياء ... فعندما نقول: هناك 1000 نجار ... منهم 100 من الجن .. ندرك أنهم من أفضل النجارين .. ومنهم 10 عفاريت .. فندرك أنهم من أفضل الأفضل وكأننا نقول هؤلاء هم شيوخ كار الصنعة يعلمون عنها كل شيء ولا تخفى عليهم خافية في مجالهم ...
وعلمنا من قبل أن الله وصف المخلوق الحي الوحيد في الكون بصفة الجن لأنه أفضل من أي مخلوق غير حي ... واستفضنا في شرح ذلك ...
وبما أننا نتحدث عن القوانين .. فالحديث عن الجن هنا .. ونقصد الأفضل من القوانين .. القانون الذي يمثل أقصى ما يمكن للكون أن يبدعه .. وهو الوعي ...
الوعي .. هو ليس مجرد مادة .. وهو ليس مجرد قانون ... ولكنه من أنقى وأرقى مواد الكون .. ومن أنقى وأرقى القوانين الذي يستطيع أن يتعامل مع روح الله ليكون خليفته في الكون ... وهو القانون الوحيد الذي يستطيع أن يختار .. وله الحرية المطلقة في أن يسجد لله طائعا ... أو يسجد لله عاصيا ... والسجود لله في الحالتين ... لأن حالة الحرية والقدرة على الإختيار هي أصلا من مشيئة الله التي لن يخرج عنها عاصي ...

إذا ... (كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) ... هو الوعي الذي يستطيع أن يكون جنًّا .. أو يكون عفريتا ... أو يكون طيرا .. أو يكون ماردا .. أو يكون شيطانا ... فهذه كلها صفات للناس لا تخرج عنهم لمخلوق آخر ...

وبحسب كلام الله في القرآن:

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ [البقرة : 93]

هذا ليس خطابا موجها للكفار لمن سَمِعَ (أي فَهِمَ وآمن) ومن ثم عصى ...
هذا قول موجه لكل المؤمنين من الأحياء اليوم ...
هل أنتم مؤمنين بالله وكلماته ...؟؟؟
وبما أنهم يقرؤون القرآن ولا يفهمون ولا يطيعون الله فيما آتاهم من علم وحكمة .. فقوله تعالى يخاطبهم وهم يدعون الإيمان ليل نهار كذبا وزورا وبهتانا:
(وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق